بقلم: ناجي علي أمهز
منذ الأمس، لم يتوقف بعض اللبنانيين الذين يطلقون نظريات لا تمت للواقع بصلة، تدور حول زعمهم أن إيران هددت أمريكا وإسرائيل بأنه في حال قُصفت الضاحية الجنوبية لبيروت، فإن طهران ستقصف المستوطنات الإسرائيلية شمال فلسطين المحتلة. ورغم أن هذا التصريح لا يستقيم عقلاً ولا منطقاً، ويتنافى مع أبسط قواعد السياسة، إلا أن "هذه التصريحات" تحولت إلى "تريند" يتداوله الجميع.
ومنذ صدور هذه التصريحات، تحاول إيران إنقاذ نفسها من هذا الموقف المحرج الذي وضعها فيه إعلام وساسة ومحللو "محور الممانعة"؛ فقد أبلغت طهران الكثيرين بأنها لا تفرق بين الضاحية الجنوبية والجنوب لتطلق تهديداً مجتزءاً، فالحقيقة الراسخة لدى القيادة الإيرانية هي أن كل شبر من لبنان يمثل بالنسبة لها كل لبنان كما كل جزء من محور المقاومة ككل، كما لا يعقل منطقياً أن يكون هناك تمييز بين سكان الجنوب وسكان الضاحية، بحيث يتم التغاضي عن قصف مكان والتهديد في حال استهداف الآخر. إن ما تسعى إليه إيران فعلياً هو وقف إطلاق نار شامل يغطي كافة جبهات المحور، وليس حماية بقعة جغرافية محددة، لأن التصرف كدولة استراتيجية يقتضي الشمولية لا الصبيانية.
بل إن أخطر ما في بعض "منظري" المحور هو ادعاؤهم بأن إيران هي التي ضغطت على أمريكا لوقف قصف الضاحية، وهو ادعاء ربما دفع مساعد وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي ليرد عليه اوليصحح الصورة، والذي جاء كـ "قنبلة نووية" دبلوماسية أصابت صورة أمريكا التي تحاول إظهار نفسها كـ "حمامة سلام" أو "منقذ لبيروت". لقد قرأ آبادي ادعاءات ترامب حول مكالمته مع نتنياهو قراءة "كاشفة"؛ فهي لم تنفِ ولم تؤكد حدوث المكالمة، بل استثمرت "المنطق" الكامن خلفها لإثبات أن الولايات المتحدة شريك كامل في كل ما حدث منذ اليوم الأول، وأن قدرتها على "المنع" بمكالمة واحدة هي ذاتها صكّ إدانة لها على "السماح" بالقتل والتهجير طوال الأشهر الماضية.
وكأن آبادي يوجه رسالة مباشرة: "لا تنخدعوا بمن يمنّ عليكم بوقف القتل، فهو نفسه الذي أدار العدوان وسمح به لشهور". وللأسف، فإن بعض اللبنانيين لانعدام المفاهيم السياسية لا يدركون خطورة ان ايران ضغطت على امريكا لايقاف الحرب.
إن الموقف الإيراني الحقيقي هو موقف عقلاني وواقعي يليق بدولة كبرى، ويدرك تماماً أن الترويج لهذه الهرطقات قد يحرج طهران؛ فلو قصفت إسرائيل الضاحية ولم ترد إيران مباشرة، فسيظهرها أمام الرأي العام وكأنها عاجزة أو متراجعة عن تهديداتها، مما يخسرها معركة وجودية استراتيجية كلفتها الكثير ضد امريكا واسرائيل، لياتي البعض وينسف كل الجهود الايرانية بسيل من التصريحات غير المنطقية. لذا، لا يمكن لإيران أن تتحمل تبعات هذه المراهقة السياسية التي يمارسها البعض باسمها.
إن تغريدة غريب آبادي التي تساءلت: "لماذا استمرت لأشهر خروقات وقف إطلاق النار والعدوان على لبنان إذا كان القرار يتغير بمكالمة واحدة؟"، جاءت لتؤكد أن الأمريكيين يماطلون بوعي، وليست إيران هي التي تعيق الحلول كما يحاول البعض تصويرها في بازار المقايضات الجغرافية الضيقة. إن إيران تسعى للاستقرار الإقليمي الشامل، لا لتفاهمات "حارة بحارة".
ختاماً، أتمنى أن ينجح أحد في إقناع هؤلاء بالتوقف عن التصريحات، لأنهم مثلما "أدخلوا الشيعة في الحائط" بسبب تصريحاتهم على طيلة 14 سنة، فإنهم إذا استمروا على هذا النهج فسيدخلون إيران أيضاً في ذات الحائط خلال اسابيع، ولن يبقى لدى الشيعة حينها إلا تصريحات غير الله وحده يعرف كيف يركبونها.
الله ينجينا.. الله ينجينا.










06/02/2026 - 18:48 PM





Comments