من الفسيفساء إلى اللون الواحد: كيف خسر الشرق جماله!

06/02/2026 - 18:03 PM

San Diego

 

 

بيار مارون *

الاعتزاز بالعربية وتراثها شيء طبيعي ومشروع. لكن حين يتحوّل الاعتزاز إلى رواية تخلط بين النسب واللغة والتاريخ والهوية، ثم تبني على هذا الخلط ما يُلغي ما عداها — فهنا يصبح النقاش ليس ترفًا فكريًا بل واجبًا. لأن ما بُني بالصخر على مدى آلاف السنين لا يُمحى بمصطلح.

لغويًا، لا يوجد شيء اسمه أن "كل أبناء سام كانوا يتكلمون العربية القديمة". اللغات السامية عائلة واسعة تفرّعت منها العربية والآرامية والعبرية والأكادية والكنعانية وغيرها. والآرامية والسريانية ليستا عربيتين تحوّلتا مع الزمن، بل لغتان ساميتان شقيقتان للعربية، وموثّقتان تاريخيًا قبل العربية بصيغتها الكلاسيكية.

أما قحطان وعدنان فهما جزء من الموروث النسَبي العربي، لكن لا يصح استخدامهما كدليل لإلغاء هوية لغوية وتاريخية كاملة مثل الآراميين والسريان. فالاعتزاز بالعربية لا يحتاج إلى إنكار الآرامية والسريانية، والمنطقة التي تكلّمت الآرامية قرونًا طويلة تاريخها أوسع وأغنى من أن يُختصر في لغة واحدة أو نسب واحد.

والسؤال الحقيقي هو: ماذا خسرت المنطقة عندما جرى اختزال تاريخها المتعدد في هوية واحدة، ولغة واحدة، ورواية واحدة؟

قبل الفتوحات العربية الإسلامية، وما تبعها عبر القرون من إزاحات لغوية وثقافية وتحولات دينية بدرجات مختلفة، لم تكن هذه البلاد كتلة واحدة ولا لونًا واحدًا. كانت فسيفساء واسعة من الشعوب واللغات والديانات والثقافات: الآراميون والسريان في الشام وبلاد الرافدين، والمسيحيون الموارنة والسريان والروم في جبل لبنان وأنطاكية التي كانت من أعظم مراكز المسيحية في العالم القديم، والأقباط في مصر، والأمازيغ في شمال أفريقيا، والفرس في إيران، والنوبيون في وادي النيل، والكرد، والأرمن، والآشوريون، والمندائيون، واليهود الشرقيون، واليونان والروم المحليون، وغيرهم.

كانت في المنطقة آرامية وسريانية وقبطية وأمازيغية ونوبية وفارسية ويونانية ولاتينية وبونيقية ومندائية وعبرية ولهجات محلية كثيرة. وكان فيها مسيحيون بمذاهب متعددة، ويهود، ومندائيون، وزرادشتيون، ووثنيون، ومعتقدات محلية متنوعة. ثم جاء الإسلام والعربية كطبقة تاريخية جديدة ومؤثرة فوق هذا التعدد، لا كصفحة بيضاء بدأت من العدم، ولا كسبب وحيد لكل التحولات اللاحقة.

والتحوّل لم يحصل دائمًا بالسيف وحده، بل حصل أيضًا عبر الإدارة، والضرائب، والتعليم، والمكانة الاجتماعية، وربط السلطة باللغة العربية، وتحويل العربية إلى لغة الدين والدولة والقضاء والديوان. ولم يكن الضغط دائمًا بالقوة المباشرة. فقهاء اعتبروا التكلّم بغير العربية "مكروهًا" أو منافيًا لروح الدين، وربط الخلفاء منذ الصدر الأول بين العربية والإسلام، حتى صار ترك اللغة المحلية طريقًا للاندماج الديني والاجتماعي معًا. ومع الزمن، صار كثيرون يتركون لغاتهم وأسماءهم وذاكرتهم المحلية كي يندمجوا في الهوية الغالبة. وهذا أخطر أشكال الإزاحة لأنه يجعل الضحية شريكًا في محو هويتها.

والمهم هنا أن التعريب والأسلمة لم يسيرا دائمًا معًا: إيران أسلمت لكنها حافظت على الفارسية لغةً حيّة. ومسيحيون كثيرون في الشام ومصر تعرّبوا لغويًا دون أن يتركوا دينهم. هذا يعني أن الإزاحة كانت عمليات متعددة ومتشعبة، لا مشروعًا واحدًا موحّدًا.

في الشام تراجعت الآرامية والسريانية. وفي مصر تراجعت القبطية حتى انحصرت غالبًا في المجال الكنسي. وفي شمال أفريقيا تراجعت الأمازيغية في مناطق واسعة. وفي العراق تراجعت الآرامية الشرقية والسريانية والمندائية. وفي السودان والنوبة تراجعت المسيحية النوبية ولغاتها أمام التعريب والأسلمة. وفي أماكن كثيرة، تحوّلت هويات قديمة وأصيلة إلى مجرد "طوائف" أو "أقليات"، بدل أن تُرى كأصحاب أرض وتاريخ وذاكرة.

المشكلة ليست في العربية بحد ذاتها، ولا في الإسلام كإيمان، ولا في الإمبراطوريات كحقيقة تاريخية، بل في منطق لاحق يقول إن كل ما سبق العربية يجب أن يُمحى، وكل ما ليس عربيًا يجب أن يُهمَّش، وكل ذاكرة محلية يجب أن تُعاد كتابتها كأنها كانت مجرد تمهيد للعروبة. هذا المنطق ليس في العربية نفسها، بل في القومية الحديثة التي حوّلت اللغة إلى أيديولوجيا.

هذا التنوع لم يكن ضعفًا. فأهل الجبال غير أهل السواحل، وأهل البادية غير أهل المدن، وسكان الأنهار غير سكان الصحارى. الطبيعة الجغرافية التي يعيشها الإنسان تُشكّل فكره ووسائله وأولوياته. ابن الجبل لا يحمي نفسه من حر الصحراء بل من الصقيع والثلوج، وقد يميل إلى الزراعة والرعي والصيد بحسب بيئته. وابن الساحل يعتاش على البحر والتجارة. وابن البادية يبني حياته على التنقل والتكيّف. كل بيئة أنتجت عقلًا وثقافةً وحكمةً محلية. وكانت المنطقة في أوج تعددها مركزًا للترجمة والفلسفة والعلوم والحوار بين الحضارات. الإسكندرية وأنطاكية والرها ونيسيبيس وجنديسابور، ثم بغداد في عصرها الذهبي، لم تكن عواصم لغة واحدة أو دين واحد، بل كانت مختبرات للتلاقح الإنساني، حيث أسهم السريان والفرس واليونان والمسيحيون والمسلمون واليهود معًا في بناء حضارة مشتركة بالعربية وغيرها. ما أضعف هذه المنطقة ليس تعددها، بل محاولات اختزال هذا التعدد في رواية واحدة. ولعل نموذج جبل لبنان يختصر المفارقة كلها: الجبل الذي اتُّهم أهله بالانعزال والخصوصية هو نفسه الذي آوى الدروز، والشيعة، والسنة، والأرمن الفارين من المجازر، والمعارضين السياسيين والدينيين العرب عبر القرون. التعدد ليس ترفًا ثقافيًا — بل هو شرط البقاء والحضارة.

هذه المنطقة لم تكن يومًا لونًا واحدًا. كانت فسيفساء. وما نراه اليوم من ميلٍ إلى اللون الواحد هو نتيجة تراكم طويل من المركزيات الدينية والسياسية واللغوية، ثم جاءت القوميات الحديثة لتعمّق هذا الاختزال باسم الوحدة.

وهذا ليس تاريخًا بعيدًا فحسب. حتى اليوم، ثمة من يواصل المشروع نفسه بأدوات مختلفة. من يُصرّ على أن لبنان "عربي الهوية والانتماء" بما يُلغي خصوصيته وتعدده — إنما يكرر منطق الفتح والإلغاء ولكن بأدوات سياسية واقتصادية. ومن يرفض الاعتراف بالأقليات كأصحاب هوية أصيلة لا مجرد طوائف تستأذن في الوجود — إنما يكمل ما بدأه غيره قبل قرون. والنتيجة واضحة أمامنا: مسيحيو العراق وسوريا الذين طُردوا من أرض أجدادهم، والإيزيديون في سنجار الذين واجهوا الإبادة، ومجتمعات أخرى في الشرق وأفريقيا ما زالت تدفع ثمن الإلغاء نفسه. الإلغاء ليس فكرة تاريخية — بل ممارسة حية لا تزال تُنتج ضحايا.

الاعتراف بتاريخ الآراميين والسريان والأقباط والأمازيغ والنوبيين والآشوريين والكرد والأرمن وغيرهم لا يهدد العربية، بل يعيد للتاريخ صدقه. بل إن التاريخ يقول عكس ذلك تماماً: حين حاول العثمانيون لقرون طمس اللغة العربية وتهميش أدبها، كان المسيحيون المشرقيون — وفي مقدمتهم الموارنة والأرثوذكس اللبنانيون والسوريون — من حملوا راية النهضة العربية وأنقذوا تراثها. الذي يهدد الحقيقة هو أن نطلب من كل هؤلاء أن يختفوا كي يشعر البعض بأن هويته مكتملة. الهوية التي تحتاج إلى محو الآخرين كي تقف — ليست هوية قوية أصلاً.

 

* باحث ومحلل سياسي

رئيس منظمة دروع لبنان الموحد — SOUL

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment