القلق من التجارة الدولية؟

04/01/2019 - 21:13 PM

Beirut Times

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

هنالك قلق من قوة وتأثيرات التجارة الدولية على الاقتصادات الوطنية.  أبرز مسوقي هذا القلق هو دونالد ترامب الذي يريد أن يعيد أميركا "عظمى مجددا".  يقول ترامب ان الانفتاح التجاري دون حواجز تذكر أضر بالاقتصاد الأميركي.  يقول أن الدول الأخرى تضع حواجز أمام السلع الأميركية، أما أميركا فتفتح حدودها للجميع دون أي حواجز.  لذا يريد اعادة التفاوض بشأن الاتفاقيات التجارية الاقليمية ويضع بعض التعريفات أمام الاستيراد خاصة الصيني كما يهدد بالخروج من منظمة التجارة العالمية.  في الواقع الولايات المتحدة قبل ترامب كانت الأكثر انفتاحا أمام الاستيراد اذ بلغ معدل التعريفات الجمركية 3,5% مقابل 5,2% للوحدة الأوروبية 9,9% للصين و 13,9% لكوريا الجنوبية.  الولايات المتحدة هي الأدنى جمركيا ضمن مجموعة الدول العشرين، وهذا أفاد الاقتصاد العالمي دون أن يفيد أميركا بالنسبة نفسها.  هذا كان الواقع، الا أنه لا يشكل السبب الأساسي لحصول عجز كبير مزمن في الميزان التجاري.  وضع تعريفات جمركية عالية لا يؤدي بالضرورة الى خفض العجز التجاري أو الى احداث فائض، اذ أن المشكلة أعمق وأوسع وتشير الى قلب عمل الاقتصاد الأميركي.

كانت الاتفاقيات التجارية أساس العلاقات بين الدول ومن لا يوقع اتفاقيات يعتبر انعزاليا بل يعزل عمليا وواقعا.  فالوحدة الأوروبية لها 40 اتفاقية تجارية والهند 17 واليابان 16والصين 14 كما الولايات المتحدة.  أعاد ترامب المفاوضة ووقع اتفاقية التجارة مع كندا والمكسيك، علما أن الاتفاقية الجديدة لا تختلف كثيرا عن السابقة الا أن المهم فيها هو التسويق السياسي الجيد الذي يجيده ترامب.  انسحب ترامب من الاتفاقية مع دول المحيط الهادئ أي 11 دولة مهمة بينها اليابان واستراليا ولا تضم الصين قصدا.  تشكل هذه المجموعة 38% من الناتج المحلي الاجمالي العالمي و 34% من الصادرات و 38% من مجموع الواردات العالمية.  اذا مجموعة مهمة جدا للشركات الأميركية ينسحب ترامب من الاتفاقية معها لاعتقاده انها تضر بمصالح أميركا ولا تفتح الأسواق الأخرى كما يجب أمام السلع الأميركية.  يخشى ترامب دائما وجود حواجز غير ظاهرة تبدأ من الدعم الى القوانين المحددة للمواصفات ومن الاجراءات غير المنطقية وغيرها من الخطوات المعرقلة التي تعتمدها بعض الدول.

لا شك أن هنالك تغييرا كبيرا في الخريطة التجارية العالمية.  في نهاية القرن الماضي كانت الولايات المتحدة المصدرة الأولى للسلع تبعتها ألمانيا فاليابان وفرنسا وبريطانيا ولم تكن الصين الا في المرتبة التاسعة.  أما اليوم فالترتيب اختلف وتأتي الصين الأولى وثم أميركا فألمانيا واليابان وهولندا.  تبلغ صادرات الصين أكثر من 5 مرات الصادرات الأميركية وهذا ما يزعج ترامب لأنه يعتقد أن الصين تضع حواجز خفية وظاهرة أمام الاستيراد خاصة أمام السلع الأميركية ويجب "معاقبتها".  هنالك عجز تجاري أميركي مع دول أخرى أيضا منها الوحدة الأوروبية ومن ضمنها ألمانيا ومع المكسيك واليابان وغيرها.  هنالك دول أخرى غير أميركا تعاني من عجز تجاري مهم وفي طليعتها بريطانيا وفرنسا واسبانيا كما هنالك دول تنعم بالعكس أي فائض تجاري كألمانيا وهولندا وايطاليا وغيرها.  لا مانع عند ترامب من المنافسة التجارية الشريفة، انما يعتقد أن اللعبة التجارية الحالية غير عادلة ويجب تصحيحها بطريقة أو أخرى.

ان الخوف من التجارة نابع من القلق من العولمة ومن فتح الحدود دون رقابة كما حصل أحيانا في السابق.  كانت النتائج سيئة على المجتمعات عبر اتساع فوارق الثروة والدخل.  لم تفيد العولمة الجميع كما كان يعتقد، بل أفادت البعض ربما فقط الأغنياء والشركات الكبرى.  لم تتم معالجة النتائج الاجتماعية بالسرعة والفعالية كما يجب.  هذا ما يفسر تحركات "السترات الصفر" في فرنسا كل سبت دون أن يبرر هذا العنف والأذى المقصود للمحلات التجارية والفنادق وغيرها.  من يؤيد العولمة اليوم يرتكب انتحارا سياسيا ليس لأن فكرة العولمة سيئة بل لأن تطبيقها لم يكن بالمستوى المطلوب ولم تتم معالجة النتائج مرحليا ودوريا بل تركت على حالها.

الشعب غاضب اليوم وفي كل الدول ليس من الفوارق المالية والاجتماعية بل من حجمها وتوسعها مع الوقت فوق كل التوقعات والتقديرات.  تكمن المشكلة أيضا في أن بعض الدول التي دخلت العولمة استطاعت أن تخالف القوانين كتطبيق الدعم ووضع التعريفات ونجحت كفيتنام والصين وأخرى دخلت ولم تخالف أي من القوانين الدولية فتضررت كالمكسيك.  هذا لا يعني أن على الجميع أن يخالف، بل يعني أن قيود منظمة التجارة العالمية وربما بعض الاتفاقيات الاقليمية جائرة وبالتالي وجبت مراجعتها.  من الخطأ القول أن الدول النامية تحتاج الى فتح حدود الدول الغنية أمامها كي تنجح، بل تحتاج الى أمور أخرى أهم من التجارة كالمساعدات المالية والقروض الميسرة والنصائح التقنية وغيرها.  ان تعديل بعض بنود الاتفاقيات التجارية لا بد وأن يؤدي الى تخفيف الفوارق ومحاربة الفقر وبالتالي يفيد الجميع.

من مزايا الوحدة الأوروبية هي الغاء الحدود داخلها.  لكن ليس الجميع سعيد بما حصل على مدى عقود وأهمهم البريطانيون الذي صوتوا للخروج من الوحدة.  هذا يشير الى صعوبة تحقيق وحدات اقتصادية معمقة دون تنفيذ وحدات سياسية متطورة.  فالشرخ حصل والمعالجات لم تكن بالمستوى المطلوب كما تشير اليه الحالة اليونانية.  يعود عمق الشرخ الى الخلل الحاصل في العديد من الاقتصادات أي عجز مالي كبير وعجز تجاري كبير أيضا.  ساهمت الحلول التقشفية التي طبقت بتخفيف ثقة الأوروبيين بمستقبل الوحدة والرغبة عند العديد من المواطنين في الخروج منها وهذا لم يعالج بجدية بعد حتى اليوم.  ساهمت الحلول القاسية في اعطاء قوة انتخابية للأحزاب المتطرفة يمينا وشمالا مما يضر ليس فقط بمستقبل أوروبا وانما بمستقبل العالم أجمع.

ماذا كانت المعالجات للمشاكل التجارية الحقيقية وهل كانت صحيحة؟  أولا طبقت الحمايات أي رفعت التعريفات الجمركية التي تخفف الواردات.  في الولايات المتحدة، رفع الرئيس النسب الجمركية على العديد من السلع.  ماذا كانت النتيجة؟  ارتفع العجز التجاري وزاد التضخم الداخلي.  في الأشهر السبعة الأولى من هذه السنة ارتفع العجز التجاري الأميركي للسلع والخدمات 10% مقارنة ب 2016 أي وصل الى 320 مليار دولار.  ماذا حصل تحديدا أيضا؟  قرر ترامب رفع التعريفات على استيراد الفولاذ والألمنيوم.  تأخر في التطبيق، فتم استيراد كميات كبيرة من المعدنين استباقا لتنفيذ التعريفات.  لذا ارتفعت في المدة نفسها واردات الفولاذ 24% وواردات الألمنيوم 28% مقارنة ب 2016.  مشكلة ترامب انه يؤمن بأن التجارة لا تفيد المتاجرين سوية أي يكون هنالك دائما رابح وخاسر وأميركا تخسر اليوم ويربح الآخرون، وبالتالي يجب قلب المعادلة.  لم يقتنع ترامب بعد بعقود من البحوث العلمية التجارية بشأن التجارة.

هنالك مشكلتين أخرتين تضران بالعقيدة الترامبية ويمكن وصفهما كالتالي:

أولا:  تحتاج أميركا الى الكثير من الواردات كي تصدر.  فالعديد من السلع الأميركية المهمة، كما تقول الاقتصادية أن كروغر، تحتوي ضمنها على مكونات مستوردة في قطاع السيارات  والأجهزة الخليوية مثلا.  لذلك وضع التعريفات يرفع أسعار السلع الأميركية المنتجة ويخفف من صادراتها.

ثانيا:  الحل للمشكلة التجارية يكمن، وكما يقول الاقتصادي بول كروغمان، في رفع مستوى الادخار الداخلي وهذا ما ضربه ترامب عندما خفض الضرائب على الأغنياء والشركات.  فالتخفيض الضرائبي ساهم في رفع العجز المالي وبالتالي أضر بالادخار الداخلي الذي ذهب لتمويل العجز عوض أن يمول الاستثمارات التي تنتج النمو.  هنالك أخطاء مبدئية وعملية في العقيدة الترامبية ستمنع التجديد له اذا ما استمرت.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment