بين فوهة النار وأوهام الضمانات: ماذا يريد لبنان فعلاً من “سلام” مع إسرائيل؟

05/13/2026 - 20:08 PM

Jonathan Amireh

 

 

بيروت - تحقيق ليلى ابوحيدر

في لحظة تختلط فيها رائحة البارود ببرودة الحسابات الدولية، تنعقد الجولة الثالثة من المفاوضات في وزارة الخارجية الأميركية، لا كحدث دبلوماسي عابر، بل كمفترق حاد بين خيارين: إما إعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة، أو تكريس واقع مفروض بقوة النار والضغوط. هذه ليست طاولة حوار تقليدية، بل ساحة مواجهة سياسية مغلّفة بالبروتوكول، حيث تُدار المعركة بالكلمات بدل الصواريخ، لكن بنتائج قد لا تقل خطورة. 

الحكومة اللبنانية خاضت محادثات مباشرة مع إسرائيل في أواخر عام 1982، في ظل ظروف استثنائية تمثّلت في الحرب الأهلية اللبنانية، والاجتياح الإسرائيلي للبنان، وحصار بيروت. وفي عهد أمين الجميّل، وبعد اغتيال شقيقه بشير الجميّل، وُقِّع ما عُرف بـ"اتفاق 17 أيار" برعاية أميركية واجهضته حينها اسرائيل

الجديد في هذه الجولة لا يكمن فقط في توقيتها المتفجر، بل في طبيعتها: انتقال صريح إلى مفاوضات ثنائية مباشرة بين لبنان وإسرائيل، ولو تحت العباءة الأميركية. وهذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً، بل انقلاب في شكل العلاقة التفاوضية، يضع لبنان وجهاً لوجه أمام خصم يملك تفوقاً عسكرياً واستراتيجياً، فيما تُمسك واشنطن بخيوط اللعبة كوسيط لا يخفي انحيازاته.

وهنا يفرض السؤال نفسه بحدة: هل نحن أمام فرصة تاريخية لفرض توازن جديد يحمي لبنان ويؤسس لاستقرار طويل الأمد؟ أم أننا نشهد إعادة إنتاج لسيناريوهات قديمة، حيث يُفرض “السلام” كترجمة سياسية لاختلال موازين القوة، لا كنتيجة لعدالة تفاوضية؟

في هذا السياق المشحون، تتوزّع الوفود المشاركة كالتالي، في مشهد يعكس بوضوح تداخل السياسي بالعسكري، والدبلوماسي بالأمني:

عن لبنان: السفير سيمون كرم، السفيرة ندى حمادة معوّض، القائم بالأعمال وسام بطرس، والملحق العسكري أوليفر حاكمة.

عن إسرائيل: السفير يخيئيل لايتر، المسؤول في الأمن القومي أوري رزنيك، ورئيس اللواء الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي عميحاي ليفين.

عن الولايات المتحدة: مايك نيدهام مستشار وزير الخارجبة الاميركية ماركو روبيو، وسفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى، وسفيرها في إسرائيل مايك هاكابي.

هكذا، لا يجلس حول الطاولة دبلوماسيون فحسب، بل ممثلو مصالح متضاربة، لكل منهم حساباته وأجنداته ما يجعل من هذه الجولة اختباراً قاسياً: ليس فقط لقدرة لبنان على التفاوض، بل لقدرته على عدم الانزلاق إلى تسوية تُكتب تحت الضغط وتُسوّق على أنها إنجاز.

منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن هذه الجولة تختلف عن سابقتيها. فإذا كانت الجولة الثانية قد حظيت برعاية مباشرة من الرئيس الاميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، فإن الجولة الثالثة تنقل المفاوضات إلى مستوى أكثر جدية وخطورة، حيث يجلس الطرفان وجهاً لوجه لمناقشة قضايا تأسيسية، يتقدمها وقف إطلاق النار كمدخل إلزامي لأي نقاش لاحق. هذا الانتقال من “رعاية” إلى “مواجهة مباشرة” يعكس نية أميركية لدفع الأمور نحو نتائج ملموسة، وربما سريعة.

لكن، ما الذي يريده لبنان فعلاً من هذه العملية؟ وهل يملك رفاهية القبول أو الرفض؟

أولاً: مصلحة لبنان… بين الواقعية السياسية والضغوط القسرية

لا يمكن مقاربة مصلحة لبنان بمعزل عن واقعه الداخلي المنهك. بلد يعاني من انهيار اقتصادي غير مسبوق، ومؤسسات شبه مشلولة، وانقسام سياسي عميق. في مثل هذا السياق، يصبح أي حديث عن “السلام” محكوماً باعتبارات البقاء قبل أي شيء آخر.

من الناحية النظرية، يمكن تحديد مصالح لبنان في أي اتفاق محتمل مع إسرائيل ضمن ثلاث دوائر أساسية:

1. الأمن والاستقرار: وقف إطلاق النار ليس مجرد بند إجرائي، بل هو حاجة وجودية بحتة. الجنوب اللبناني يعيش منذ سنوات على إيقاع التوترات، ومع كل تصعيد، يدفع المدنيون الثمن. تثبيت هدنة طويلة الأمد، إن لم يكن سلاماً كاملاً، قد يفتح الباب أمام استقرار نسبي يسمح بإعادة الحياة إلى المناطق الحدودية.

2. الاقتصاد وإعادة الإعمار: لبنان في حاجة ماسة إلى تدفقات مالية فورية، واستثمارات خارجية. أي اتفاق مع إسرائيل، برعاية أميركية، قد يُستخدم كبوابة لإعادة إدماج لبنان في النظام المالي الدولي، وفتح قنوات دعم من المؤسسات الدولية. لكن هنا تحديداً يكمن الخطر: أن يتحول “السلام” إلى شرط اقتصادي مفروض، لا خيار سيادي.

3. ترسيم الحدود والسيادة: ملف الحدود، سواء البرية أو البحرية، يشكل أحد أبرز نقاط النزاع. تجربة ترسيم الحدود البحرية أظهرت أن التفاوض ممكن، لكنه مكلف سياسياً. أي اتفاق جديد يجب أن يضمن سيادة لبنان الكاملة، لا أن يكرّس تنازلات مقنّعة.

ثانياً: هل السلام خيار أم إملاء؟

الخطاب الذي يروّج لفكرة “السلام” غالباً ما يتجاهل حقيقة أساسية: ميزان القوى مختل بشكل جذري. إسرائيل تدخل المفاوضات من موقع قوة عسكرية واقتصادية، بينما يأتي لبنان مثقلاً بالأزمات. هذا الاختلال لا يمكن فصله عن طبيعة النتائج المتوقعة.

هنا، يصبح السؤال أكثر حدة: هل يمكن للبنان أن يفاوض من موقع الندّية، أم أنه سيُدفع إلى قبول شروط لا تعكس مصالحه الحقيقية؟

التاريخ القريب لا يمنح الكثير من التفاؤل. اتفاقيات “السلام” في المنطقة غالباً ما جاءت نتيجة ضغوط أميركية مكثفة، وارتبطت بحسابات إقليمية تتجاوز مصالح الدول المعنية. وبالتالي، فإن أي قراءة واقعية تفترض أن لبنان ليس اللاعب الرئيسي في هذه المعادلة، بل جزء من لوحة أوسع تُرسم في واشنطن وتل أبيب.

ثالثاً: الضمانات الأميركية… بين الوعد والوهم

الولايات المتحدة تقدم نفسها كوسيط وضامن. لكن التجربة تُظهر أن “الضمانات الأميركية” ليست دائماً صلبة كما تبدو في الخطاب السياسي.

ما الذي يمكن أن تقدمه واشنطن فعلياً؟

1. ضمانات أمنية: قد تشمل دعم الجيش اللبناني وآليات مراقبة لوقف إطلاق النار، وربما نشر قوات دولية أو تعزيز دور “اليونيفيل”. لكن السؤال يبقى: هل تستطيع أميركا فرض التزام إسرائيلي طويل الأمد، خصوصاً في ظل تغيّر الإدارات وتبدّل الأولويات؟

2. دعم اقتصادي: واشنطن قد تفتح الباب أمام مساعدات مالية، أو تسهيلات مع صندوق النقد الدولي. لكن هذه “الجزرة” غالباً ما تكون مشروطة بإصلاحات داخلية قاسية، وربما بتنازلات سياسية.

3. غطاء سياسي دولي: الاتفاق، إن حصل، سيحظى بدعم دولي، ما قد يمنح لبنان بعض الاستقرار الدبلوماسي. لكن هذا الغطاء قد يتحول أيضاً إلى أداة ضغط لمنع لبنان من التراجع أو إعادة التفاوض.

المشكلة الأساسية في هذه الضمانات أنها غير ملزمة بالمعنى القانوني الصارم. هي التزامات سياسية قابلة للتبديل، وليست معاهدات دفاع مشترك. بمعنى آخر، لبنان قد يجد نفسه أمام وعود كبيرة، لكن دون أدوات حقيقية لفرض تنفيذها.

رابعاً: المخاطر الكامنة… ما الذي قد يخسره لبنان؟

أي تحليل جدي لا يمكن أن يكتفي بعرض المكاسب المحتملة، بل يجب أن يواجه المخاطر بوضوح.

1. شرعنة واقع غير متكافئ: الاتفاق قد يكرّس تفوق إسرائيل، ويحوّل الصراع من نزاع مفتوح إلى علاقة غير متوازنة دائمة.

2. انقسام داخلي أعمق: ملف “السلام” مع إسرائيل هو من أكثر القضايا حساسية في لبنان. أي اتفاق قد يفاقم الانقسامات السياسية والطائفية، وربما يهدد الاستقرار الداخلي.

3. فقدان أوراق تفاوضية: لبنان يملك اليوم بعض أوراق الضغط، سواء عبر موقعه الجغرافي أو عبر التوازنات الإقليمية. التسرع في تقديم تنازلات قد يؤدي إلى خسارة هذه الأوراق دون مقابل حقيقي.

خامساً: قراءة في مسار الجولة الثالثة

المعطيات المتوافرة تشير إلى أن جدول الأعمال يبدأ بوقف إطلاق النار، ثم ينتقل إلى قضايا إجرائية تمهّد لمفاوضات أوسع. لكن الأهم هو طبيعة التفاعل بين الوفدين.

وجود شخصيات دبلوماسية وعسكرية في كلا الوفدين يعكس إدراكاً بأن المفاوضات ليست سياسية فقط، بل أمنية بامتياز. كما أن انسحاب الوفود للتشاور مع حكوماتها خلال الجلسات يشير إلى أن القرارات الكبرى لن تُتخذ في القاعة، بل في العواصم.

الدور الأميركي، ممثلاً بمستشارين وسفراء، سيكون حاسماً في توجيه النقاش. لكن هذا الدور ليس محايداً بالكامل، بل ينطلق من مصالح أميركية في إعادة ترتيب المشهد الإقليمي.

خلاصة: بين الضرورة والخطر

لبنان يقف اليوم أمام معادلة معقدة: الحاجة إلى الاستقرار تدفعه نحو التفاوض، لكن مخاطر التنازل تفرض عليه الحذر الشديد.

“السلام” ليس بالضرورة حلاً سحرياً، بل قد يكون بداية لمجموعة جديدة من التحديات. الضمانات الأميركية، مهما بدت مغرية، تبقى رهينة الحسابات السياسية في واشنطن، وليست التزاماً ثابتاً.

الرهان الحقيقي ليس على ما سيُقال في قاعات وزارة الخارجية الأميركية، بل على قدرة لبنان على التفاوض بوعي لمصالحه، ورفض تحويل أزمته الداخلية إلى أداة ضغط تُفرض من خلالها تسويات غير عادلة.

بكلمات أكثر صراحة: لبنان لا يحتاج إلى “سلام بأي ثمن”، بل إلى تسوية تحمي سيادته وتمنحه فرصة حقيقية للنهوض. وما دون ذلك، ليس سلاماً، بل إعادة صياغة للهزيمة بعبارات دبلوماسية.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment