عادل صوما
ظهر هاني شاكر وردد الجمهور اسمه في وقت بدأ فيه بهدوء شديد ظهور منافسون للمطرب الأوحد في مصر عبد الحليم حافظ. وشاءت الظروف السياسية ظهور منافسين لمطرب الثورة التي انتهت معظم مشاريعها وكل وعودها إلى فشل كبير، وحروبها إلى فضائح عسكرية، وقد ساعد بدء تدهور علاقات عبد الحليم ببعض كبار المؤلفين مثل مأمون الشناوي، وكبار الملحنين مثل محمد الموجي، علاوة على بدء تدهور صحة عبد الحليم منذ بداية سبيعنيات القرن الفائت على ظهور نجم جديد، ما كان يمكن أبداً أن يظهر بذلك السطوع في ستينيات القرن العشرين في مصر.
أسباب الظهور
ساعدت أم كلثوم وشادية والملحن خالد الأمير في دفع هاني شاكر للظهور في الحفلات، وملء مساحة غنائية ولو صغيرة في الإذاعات المصرية التي كانت تعد على الأصابع آنذاك، قبل ثورة الكاسيت والإنتاج الغنائي بعيدا عن مجال الإذاعات الضيق وامتحانات أستاذتها العسيرة. وكانت أغنية "كده برضه يا قمر" جواز سفر عبور هاني شاكر إلى القلوب، وختمت أغنية "حلوة يا دنيا" للملحن محمد الموجي على جواز سفر هاني شاكر ليعبر إلى النجومية.
أصيب عبد الحليم بحساسية شديدة بسبب صعود نجم جديد، حرص بذكائه على تخفيف حساسية "مطرب الثورة" تجاهه، فتعمد وضع سلسلة كبيرة تتدلى حول عنقه حتى خصره، وارتداء بدلات تشبه تماما ما يرتديه حليم، وغنى بحركات يدّي حليم نفسها، وأوضح لعبد الحليم أنه دخل مجال الغناء حباً في أغانيه، منذ أن كان في كورال الأطفال يردد خلفه أغنية "بالأحضان"، ما يعني أن شاكر أراد القول إنه نسخة مكررة عن عبد الحليم لا أكثر أو أقل.
ورغم ذلك يبقى النجم إنساناً يجوع ويخاف وينام ويمرض ويغار، فتعمد حليم بناءً على نصيحة إحسان عبد القدوس، تبني مطربا آخر هو عماد سليمان، وأعطاه أسمه فصار عماد عبد الحليم، ليتنافس الصاعدان بعيدا عن عرشه، ودخل في هذه المعركة المطرب محرم فؤاد الذي قال في حديث لمجلة فنية أن هاني شاكر صوت جميل يصلح للغناء للأطفال!
لكن موهبة هاني شاكر والتزامه وطفولة طباعه التي لم تعرف المشاكسات الفنية مع المنافسين أو صخب وتصريحات الطلاق والإشاعات النسائية، أطالوا عمره الفني إلى أكثر من خمسين سنة أخرى بين الكبار.
اختلاف اللهجات
معروف عن هاني شاكر روح الدعابة حتى في اجتماعات نقابة الموسيقيين، واللطف في التعامل مع الجميع، وكذلك التحفظ في الأحاديث الإعلامية، ووصلت مفارقات اختلاف اللهجات في البلدان التي غنى فيها إلى حد صناعة نكتة مع هاني شاكر.
ففي لبنان سألته موظفة استقبال في فندق عندما لاحظت وجوده في الصباح الباكر في اللوبي: إتروقت إستاذ هاني؟ وكانت تقصد هل تناولت الفطور؟ فقال هاني: أنا رايق قوي.. مفيش أي مشاكل!
وقالت له إحدى المعجبات: تقبرني، وهي بالعامية اللبنانية تعني اظهار المحبة، فسألها هاني شاكر: ليه أقبرك هو انتي عملتي لي حاجة مش كويسة؟!
لأسباب أخرى
معركة هاني شاكر الفنية الوحيدة في حياته كانت اعتراضه وهو نقيب الموسيقيين على مطربي أغاني المهرجانات، ليحافظ على مستوى الأغنية المصرية التي وصلت إلى مرحلة فقر "الإيقاع الواحد" لا غنى التلحين، والأداء السوقي الذي يلائم فعلا هبوط الذوق المصري من استحسان عبد الوهاب وفريد الأطرش وأم كلثوم وفايزة أحمد ومن في مستواهم، إلى إدمان أغاني عناوينها أسوأ من معانيها.
مطربو المهرجانات هؤلاء تسيدوا لأسباب أخرى لا تمت للموهبة أو جمال الصوت، منها تدهور الحس الفني عند الجمهور المصري، وتكفير الفن الجيد بواسطة دعاة جهلة الذي أدى إلى توجس النجوم من عقاب النار بسب الفن الحرام، ومن ثمة انتشر الفن السيء كنتيجة طبيعية.
كان مصير الهلاوس الدينية تجاه الفن كما نرى: راقصة تائبة بعد الأربعين من عمرها، وممثلة تحجبت بعد الستين، ومطرب فاشل تائب، ومطرب قاتل الجيش اللبناني وقتل عناصر منه مع المجاهدين، ومطرب يوصي بحرق أغانيه بعد وفاته، وممثل لامع يؤنب الممثلات في تسعينات عمره على ظهورهن بملابس غير محتمشة، رغم أنه شخصياً ظهر في شبابه مع ممثلات، منهن زوجة سابقة له، يرتدين البيكيني.
علاوة على تجمعات المؤمنين بذقون طويلة وهم يكبرون بعد أي تحقيق يتم مع ممثلة لسبب أخلاقي كما يزعمون، مع عدم نسيان وضع بعض المشعوذين لڤيديوهات مفبركة تظهر خروج نار من مقابر بعض مشاهير الفن، أو أصوات عذابهم في قبورهم!
وراء الكواليس
صمد هاني شاكر أمام هذه الموجة واستمر ولم يتب، كما عانى في حياته الشخصية من منغصات ووفاة أحباء له ولم يتاجر إعلامياً بصموده أو آلامه، وقاسى في شهوره الأخيرة من أهوال المرض، ودخل في موجات فقدان وعي متتالية ونزيف داخلي، وأُجريت له عدة جراحات كان آخرها إزالة القولون بالكامل، ثم رحل إلى عمره الثاني في تاريخ الأغنية وقلوب عشاق الرومانسية.
عشاق الأغنية الرومانسية التي يفضِّل كل مستمع إحداها حسب ذوقه وهواه أو تزامن صدورها مع شيء عزيز حدث في حياته، وشخصياً أحب أغنية "يا أم العيون حزينة" كلمات عبد الرحمن الأبنودي لجمال صورها وتشبيهاتها، وأعتبر أن أغنية "إديني قلب تاني" من تلحينه وكلمات جوهرجي الأغنية المصرية مرسي جميل عزيز، من الأغاني النادرة التي تنأى عن مزاج المتحديثن بالعربية الزائف بادعاء التلذذ بهجر الحبيب، وكذبة الاستعداد للموت بدلا منه، والتضحية بالحب من أجل سعادة الحبيب مع انسان آخر!
"ادينى قلب تانى وخد قلبك معاك
ادينى عمر تانى وابعدنى عن هواك
ارجوك مش عايز أعاتبك
ولا عايز أفضل في قلبك
لو كل الدنيا زيك
مش ممكن أحب تاني"













05/08/2026 - 16:06 PM





Comments