الأميركيون من أصل لبناني: قوة صامتة تصنع النفوذ في أميركا وتبني جسوراً دائمة مع الوطن الأم

05/07/2026 - 02:44 AM

Jonathan Amireh

 

 

تحقيق اخباري خاص لـ بيروت تايمز من اعداد منى منصور

على امتداد أكثر من قرن، شكّل الأميركيون من أصل لبناني واحدة من أكثر الجاليات العربية حضورًا وتأثيرًا في الولايات المتحدة. لم يكن هذا النفوذ وليد الصدفة، بل نتيجة مسار طويل من الهجرة والكدّ والاندماج الذكي في المجتمع الأميركي، وصولًا إلى مواقع قيادية في السياسة والاقتصاد والثقافة، والبحث العلمي والطبي والفني. ومع كل نجاح فردي أو جماعي، بقي لبنان حاضرًا في الوجدان، ليس كذكرى بعيدة، بل كقضية مستمرة تستدعي الدعم والمناصرة والضغط السياسي والعمل الدبلوماسي غير الرسمي.

بدأت الهجرة اللبنانية إلى الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر، حين وصل المهاجرون الأوائل إلى مرافئ نيويورك وبوسطن حاملين معهم مهارات التجارة والحرف. انطلقوا كباعة جوّالين قبل أن يتحولوا إلى أصحاب متاجر وشركات صغيرة. ومع منتصف القرن العشرين، جاءت موجة جديدة من الطلاب والأطباء والمهندسين والأكاديميين، ما رفع المستوى التعليمي للجالية بشكل لافت. ثم جاءت الحرب اللبنانية لتفتح الباب أمام موجة ثالثة ضخمة، ضمّت عشرات الآلاف من اللبنانيين الذين وجدوا في أميركا ملاذًا آمنًا وفرصة لبناء مستقبل جديد، وأسّسوا طبقة مهنية قوية في الطب، والهندسة، والتكنولوجيا، والمال.

اللبنانيون في دائرة الرئيس دونالد ترامب: حضور متصاعد ونفوذ يتجاوز حدود الجالية

لم يكن الوجود اللبناني في الولايات المتحدة يومًا حضورًا عابرًا، لكن السنوات الأخيرة شهدت تحوّلًا لافتًا مع وصول عدد من الأميركيين من أصل لبناني إلى مواقع قريبة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبرزت شخصيات لبنانية في مواقع استشارية وسياسية مؤثرة داخل البيت الأبيض، وفي حملاته الانتخابية، وفي الدوائر التي تتعامل مباشرة مع ملفات الشرق الأوسط ولبنان تحديدًا.

مسعد بولس

في مقدمة هذه الشخصيات يبرز الدكتور مسعد بولس، الذي يُعدّ من أبرز الوجوه اللبنانية داخل دائرة ترامب. فقد شغل منصب كبير مستشاري الرئيس لشؤون الشرق الأوسط، ولعب دورًا محوريًا في التواصل مع الجاليات العربية، ولا سيما اللبنانية، وفي بناء جسور سياسية بين البيت الأبيض والجالية.

وتشير مصادر سياسية إلى أن بولس كان من مهندسي التواصل بين إدارة ترامب والجاليات العربية، وساهم في تعزيز حضور اللبنانيين داخل الحملات الانتخابية، وفي صياغة مقاربات جديدة تجاه لبنان، خصوصًا في ملفات وقف إطلاق النار والتسويات الإقليمية.

 ميشال عيسى

برز أيضاً اسم ميشال عيسى، السفير الأميركي في لبنان، الذي لعب دورًا محوريًا في إعادة صياغة العلاقة بين واشنطن وبيروت خلال المرحلة الأخيرة. وتشير مصادر دبلوماسية مطّلعة إلى أنّ عيسى لم يكن مجرّد ناقل رسائل، بل كان جزءًا من هندسة مقاربة أميركية جديدة تجاه لبنان، تقوم على إعادة الانخراط المباشر في الملفات الحسّاسة، وفي مقدّمها الحدود الجنوبية ومستقبل الاستقرار في شرق المتوسط.

وتؤكد هذه المصادر أنّ السفير عيسى كان من أبرز الدبلوماسيين الذين دفعوا باتجاه فتح قناة محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، في إطار رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإعادة ترتيب التوازنات في المنطقة، وتعزيز حضور واشنطن في الملفات التي كانت تُدار سابقًا عبر وسطاء أو عبر الأمم المتحدة. وقد ساهمت تقاريره الدورية إلى الإدارة الأميركية في رسم صورة أكثر وضوحًا عن الواقع اللبناني، ما شجّع البيت الأبيض على تبنّي مقاربة أكثر فاعلية تجاه الملف الحدودي.

وبحسب المصادر نفسها، فإنّ واشنطن رأت في شخصية ميشال عيسى، بصفته دبلوماسيًا من أصول لبنانية، عنصرًا مساعدًا في بناء الثقة وتسهيل التواصل، خصوصًا في الملفات التي تتطلب حساسية عالية ودقة في نقل الرسائل. وقد انعكس ذلك في الأسابيع الماضية من خلال ارتفاع وتيرة اللقاءات التي عقدها مع كبار المسؤولين اللبنانيين، والتي مهّدت لمرحلة جديدة من الانخراط الأميركي المباشر في الملف اللبناني.

بيل بزي

ويبرز أيضًا السفير بيل بزي، أحد أبرز الوجوه اللبنانية-الأميركية في الإدارة الحالية. فقد تولّى منصب سفير الولايات المتحدة لدى تونس منذ نوفمبر 2025، بعد مسيرة طويلة في العمل العسكري والعام شملت خدمته 21 عامًا في سلاح مشاة البحرية الأميركية، ثم انتخابه عمدة لمدينة ديربورن هايتس. ويُنظر إلى بزي كجزء من شبكة النفوذ اللبنانية-الأميركية التي تتوسع داخل المؤسسات الحكومية، خصوصًا في الملفات الأمنية والدبلوماسية.

طوم براك

وكذلك يبرز اسم السفير الأميركي في تركيا طوم براك كأحد أبرز الوجوه الدبلوماسية في المرحلة الراهنة، مستفيدًا من خبرته الطويلة في عالم السياسة والاقتصاد، ومن شبكة علاقاته الواسعة في الشرق الأوسط. ومنذ تولّيه مهامه، يعمل براك على إعادة ضبط مسار العلاقات الأميركية–التركية والسورية عبر مقاربة تجمع بين الحزم والمرونة، ويُنظر إلى دوره كجسر تواصل بين واشنطن وأنقرة في لحظة إقليمية دقيقة تتطلّب توازنًا محسوبًا في إدارة المصالح المتشابكة.

ندى حماده معوّض

وفي هذا السياق، برز الدور المتقدم لسفيرة لبنان في واشنطن ندى حماده معوّض التي استطاعت تنشيط قنوات التواصل بين الجالية اللبنانية والإدارة الأميركية، عبر مقاربة دبلوماسية تجمع بين المهنية والواقعية والانفتاح. وقد ركّزت السفيرة معوّض على توحيد جهود الجالية، وتشجيع الكفاءات اللبنانية–الأميركية على الانخراط في الملفات التي تمسّ لبنان، سواء في الكونغرس أو في المؤسسات الفدرالية أو في مراكز الأبحاث المؤثرة.

وتشير مصادر دبلوماسية إلى أنّ السفيرة معوّض لعبت دوراً محورياً في تعزيز حضور لبنان في النقاشات الأميركية، من خلال لقاءات متواصلة مع مسؤولين في الإدارة والكونغرس، إضافة إلى دعم المبادرات التي تطلقها الجالية اللبنانية في الولايات المتحدة، ولا سيما تلك التي تتعلق بالاقتصاد والتعليم والدعم الإنساني.

كما ساهمت في إعادة بناء الثقة بين الدولة اللبنانية ومجتمع الانتشار، عبر خطاب دبلوماسي يركّز على الشفافية، وعلى إبراز الدور الإيجابي الذي يمكن أن يلعبه اللبنانيون في أميركا لدعم وطنهم الأم، سواء عبر الاستثمارات أو المبادرات الاجتماعية أو الضغط الإيجابي داخل المؤسسات الأميركية.

الجالية اللبنانية في الولايات المتحدة

وبين قوة الجالية اللبنانية في الولايات المتحدة، وحضور الدبلوماسية اللبنانية عبر السفيرة ندى حماده معوّض، يتكرّس اليوم مشهد جديد: لبنان حاضر في واشنطن ليس فقط عبر سفارته، بل عبر أبنائه الذين صنعوا لأنفسهم مكانة راسخة في قلب النظام الأميركي، ويواصلون لعب دور الجسر بين وطنهم الأم وأكبر قوة في العالم.

هذه الشخصيات وغيرها لا تمثل مجرد حضور رمزي، بل جزءًا من شبكة نفوذ لبنانية-أميركية آخذة في الاتساع، تمتد من البيت الأبيض إلى الكونغرس، ومن الحملات الانتخابية إلى المؤسسات الدبلوماسية. تأثيرهم يتجاوز حدود الجالية ليصل إلى قلب القرار الأميركي، خصوصًا في الملفات المتعلقة بلبنان والمنطقة، سواء في ما يخص الدعم العسكري، أو المساعدات الإنسانية، أو مقاربة واشنطن للتوازنات الإقليمية.

ومع استمرار حضور الرئيس ترامب في المشهد السياسي الأميركي، يبدو أن دور هذه الشخصيات اللبنانية الاصل وغيرها مرشح للاتساع، ما يجعل الجالية اللبنانية واحدة من أكثر الجاليات العربية قدرة على التأثير في واشنطن، وأحد أبرز الجسور بين لبنان والولايات المتحدة في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد.

علاقة المنتشرين اللبنانيين بوطنهم الأم

هذا الحضور الواسع انعكس بطبيعة الحال على علاقة المنتشرين اللبنانيين بوطنهم الأم. فقد لعب الأميركيون من أصل لبناني دورًا محوريًا في دعم الجيش اللبناني، سواء عبر حملات التبرعات أو من خلال الضغط على الكونغرس لزيادة المساعدات العسكرية. كما أسهموا في تعزيز صمود المؤسسات التربوية والصحية، وفي مقدمتها الجامعة الأميركية في بيروت، جامعة القديس يوسف، الجامعة اللبنانية الأميركية، ومستشفى أوتيل ديو، إضافة إلى دعم جمعيات لبنانية ودور أيتام ومبادرات إنسانية تُعنى بالنازحين من الجنوب اللبناني. ومع تفاقم الأزمات التي ضربت لبنان في السنوات الأخيرة، برز دور المغتربين أكثر فأكثر في تمويل المبادرات التعليمية والصحية، وفي الاستثمار بقطاعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة والسياحة والصناعات الغذائية، ما جعلهم رافعة أساسية للاقتصاد اللبناني في أحلك الظروف.

لكن هذا النفوذ لا يخلو من التحديات. فالانقسام السياسي اللبناني ينعكس على الجالية ويضعف قدرتها على تشكيل لوبي واحد موحّد، كما أن غياب مؤسسة رسمية جامعة يجعل الجهود مبعثرة. ورغم النجاحات الفردية، يبقى لبنان ملفًا ثانويًا في السياسة الأميركية مقارنة بملفات الشرق الأوسط الكبرى، ما يجعل التأثير محدودًا في بعض الأحيان.

مع ذلك، تبدو فرص المستقبل واعدة. فالجالية اللبنانية قادرة على التحول إلى قوة ضغط حقيقية إذا توحّدت تحت إطار مؤسسي واعتمدت خطابًا وطنيًا جامعًا يركّز على ملفات محددة مثل دعم الجيش والتعليم والاقتصاد. كما أن تعزيز المشاركة في الانتخابات الأميركية يفتح الباب أمام تأثير أكبر في السياسات العامة.

اهتمام اميركي جديد بالجالية اللبنانية

في مؤشر على تزايد الاهتمام الأميركي بالجالية اللبنانية، عيّن عضو الكونغرس الأميركي عن ولاية أوهايو ماكس ميلر، اللبناني–الأميركي بول الهندي مستشارًا أول لحملته لشؤون الأميركيين اللبنانيين والعلاقات اللبنانية – الإسرائيلية، في خطوة تعكس إدراكًا متناميًا لدور هذه الجالية وحضورها في الولايات المتحدة، وللملفات المرتبطة بالمنطقة.

 

بيروت تايمز تحاور بعض المنتشرين اللبنانيين في أميركا

في سياق هذا التحقيق، أجرت بيروت تايمز حوارًا خاصًا مع عدد من اللبنانيين المنتشرين في الولايات المتحدة، لاستطلاع رؤيتهم لدور الجالية في الحياة العامة الأميركية، ولا سيما في كيفية مساهمتهم في شرح قضايا لبنان والشرق الأوسط داخل المؤسسات الأميركية. وقد أجمع المشاركون على أن اللبنانيين، بحكم ثقافتهم المتعددة وقدرتهم العالية على التواصل، يشكّلون جسرًا حيويًا بين المجتمع الأميركي وملفات المنطقة، ويلعبون دورًا غير معلن في تصحيح الصور النمطية وتقديم رواية أكثر توازنًا وعمقًا عن لبنان وقضاياه.

هذا الدور، كما يؤكدون، لا يقتصر على نقل المعلومات أو الدفاع عن وجهات نظر محددة، بل يمتد إلى بناء مساحات حوار داخل الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات التشريعية، حيث يسهم اللبنانيون في إعادة صياغة فهم أوسع للواقع اللبناني، بعيدًا عن التبسيط أو الانطباعات المسبقة.

 

الإعلامي شربل عبد الله أنطون

الصحافي والكاتب اللبناني - الأميركي والمقيم في واشنطن، والمتخصص في السياسة الخارجية الأميركية وقضايا الشرق الأوسط، إلى جانب عمله في مجال الإنتاج الإعلامي، يقول في حديثه الى بيروت تايمز عن التجربة الاغترابية اللبنانية، أن اللبنانيين الذين يأتون إلى الولايات المتحدة أو إلى أي بلد آخر يفعلون ذلك بدافع النجاح وربما التألق، وهو ما يجعل حضورهم مختلفًا عن كثير من المهاجرين الآخرين.

وأن معظم هذا التألق يبرز في القطاع الخاص والمهن الحرة، خصوصًا في المجالات الحيوية مثل الطب والهندسة والتقنيات الحديثة، أكثر مما يظهر في العمل العام أو المؤسسات الرسمية. ويعتبر أن هذا التميّز نابع من طبيعة اللبناني الساعية إلى المبادرة الفردية، والاعتماد على الذات، والبحث عن فرص تتيح له تحقيق طموحاته بعيدًا عن القيود التقليدية.

وأضاف لاحظت خلال عملي الطويل كصحافي في واشنطن، أن اللبنانيين منقسمون فيما بينهم، كلّ حسب رؤيته الخاصة للبنان ولدور الولايات المتحدة فيه. وكل منهم - فرداً أو حزبا ً- يشرح للإدارة الأميركية والكونغرس وللجمهور الأميركي ما يراه الأفضل. لذلك لا يمكن الحديث عن لوبي لبناني موحد أو واحد...

أما فيما يخص الأميركيون من أصول لبنانية اللذين يعينون موظفين عامين أو ينتخبون في مناصب حكومية محلّية أو فدرالية، فرغم قلة عددهم، فقد نجح معظمهم بشكل كبير في أداء عمله حسب القوانين الأميركية، لكنهم غير مؤثرين بشكل كبير في صناعة القرار الأميركي بشأن لبنان، وذلك ليس لعلة فيهم، بل بسبب تعقيدات السياسة في العاصمة الأميركية وتداخل الدول وجماعات الضغط في صناعتها. وهم أيضاً متنوعو الآراء بشأن قضايا لبنان والمنطقة، وذلك طبعاً لانتمائهم الحزبي في الولايات المتحدة الأميركية.

 

البروفيسور حسن عجمي

المفكّر والفيلسوف اللبناني المعاصر البروفيسور حسن عجمي والمعروف بطرحه لمذهب السوبر حداثة ودمجه بين الفلسفة والعلوم، يقول ان دور اللبنانيين يكمن في توجيه السياسة الأميركية نحو إحلال السلام العالمي العادل فالحضارة فن إنتاج السلام. لا سلام من دون عدالة يتساوى بها كلّ الأفراد وتتساوى بها كلّ الشعوب في الحقوق كحق كلّ الشعوب والأفراد في التحرّر، والحرية والاستقلال والتطوّر.

يكمن دور اللبنانيين أيضاً في توجيه السياسة الأميركية نحو دعم الجيش اللبناني لكي يصبح قادراً على ضمان السلم الأهلي وحماية كلّ الشعب اللبناني وكلّ حدود لبنان وأراضيه. فتوازن القوى العسكرية بين الدول ضروري لتحقيق سلام دائم. كما من الضروري دعوة الإدارة الأميركية إلى الاستثمار في لبنان فالاقتصاد القوي مدخل سيادة السلام المستدام. 

 

السيدة كارول غانم

السيدة كارول غانم، وهي خبيرة في القطاع الصحي والتعامل مع كبار السن، ترى أن الدور الذي يلعبه اللبنانيون في الولايات المتحدة لا يقتصر على السياسة أو الإعلام فقط، بل يمتد بشكل أساسي إلى القطاعات الحيوية مثل الصحة والخدمات المجتمعية، حيث يساهمون في تعزيز صورة إيجابية عن لبنان عبر العمل المهني اليومي المبني على الكفاءة والالتزام.

وتشير إلى أن خبرة اللبنانيين في مجالات متعددة داخل النظام الصحي الأميركي تمنحهم قدرة خاصة على فهم احتياجات المجتمع والتفاعل مع تنوعه الثقافي، وهو ما ينعكس إيجابًا على جودة الخدمات وعلى بناء الثقة مع مختلف الفئات. كما تؤكد أن العمل في العلاقات العامة يتيح لهم دورًا مهمًا في إيصال رسائل إنسانية عن لبنان والشرق الأوسط، بعيدًا عن التوترات السياسية، من خلال إبراز قصص النجاح الفردي والمهني للجالية.

وتختم السيدة غانم بالقول إن قوة الجالية اللبنانية في أميركا تكمن في “حضورها العملي اليومي”، حيث لا يُقاس التأثير فقط بالمناصب الكبرى، بل أيضًا بالانخراط المهني المسؤول الذي يترك أثرًا مستدامًا في المجتمع الأميركي.

 

البروفيسور فيليب سالم

الطبيب والمفكر اللبناني الأميركي فيليب سالم الذي عاش تجربة طويلة في الولايات المتحدة في مجالي الطب والعمل العام، قال أن دور اللبنانيين في أميركا لا ينبغي أن يقتصر على النجاح الفردي، بل يجب أن يتحول إلى مسؤولية أخلاقية وثقافية تجاه وطنهم الأم. في مقارباته الفكرية، يؤكد أن اللبنانيين الأميركيين يمتلكون ميزة فريدة، تتمثل في قدرتهم على فهم “لغتين حضاريتين”: لغة الشرق بتعقيداته التاريخية والطائفية، ولغة الغرب بمؤسساته الحديثة وآلياته السياسية.

ويشدد سالم على أن هذه القدرة المزدوجة تضع على عاتقهم واجبًا أساسيًا، وهو تصحيح الصور النمطية عن لبنان والشرق الأوسط داخل الولايات المتحدة. فبرأيه، كثير من صناع القرار الأميركيين يتعاملون مع المنطقة من خلال عدسات مبسطة أو أمنية بحتة، ما يؤدي إلى سياسات قاصرة عن معالجة جذور الأزمات. هنا، يأتي دور اللبنانيين الأميركيين كـ "جسر معرفي" قادر على تقديم روايات أكثر توازنًا وإنسانية.

وفي سياق الحديث عن المؤسسات الأميركية، يعتبر سالم أن التأثير الحقيقي لا يتحقق فقط عبر المناصب السياسية، بل أيضًا من خلال العمل التراكمي داخل الجامعات، ومراكز الأبحاث، ووسائل الإعلام. ويشير إلى أن بناء معرفة دقيقة حول لبنان كنموذج للتعددية والتعايش رغم أزماته يمكن أن يسهم في تغيير طريقة مقاربة واشنطن للمنطقة بأسرها.

كما يلفت سالم إلى أن قوة اللبنانيين في أميركا تكمن في انتشارهم داخل قطاعات متعددة: من الطب والعلوم إلى الاقتصاد والسياسة. هذا التنوع، بحسب سالم، يمنحهم أدوات متعددة للتأثير، شرط أن يتم توظيفها ضمن رؤية مشتركة تتجاوز الانقسامات التقليدية التي انتقلت أحيانًا من لبنان إلى الاغتراب.

 

الخوري الدكتور نبيل مؤنس

هو كاهن ماروني لبناني وباحث لاهوتي يجمع بين الخدمة الرعوية والعمل الفكري، ويُعرَف بكتاباته الروحية وحضوره الهادئ والمؤثّر في الإعلام الاغترابي. تنقّل في خدمته بين رعايا مارونية في لبنان وفرنسا وعدد من الولايات الأميركية، حيث ترك بصمة واضحة بأسلوبه القريب من الناس واعتماده على الحوار والمرافقة الروحية كنهج ثابت في رسالته الكهنوتية. وقد نُشرت له مقالات وتأملات في عدد من الصحف والمنابر الاغترابية، من بينها بيروت تايمز.

يرى الخوري مؤنس أن دور اللبنانيين في الولايات المتحدة يتجاوز حدود السياسة والاقتصاد، ليصل إلى البعد الإنساني والقيمي الذي يحملونه معهم أينما ذهبوا. فالتجربة اللبنانية، كما يصفها، مشبعة بتاريخ طويل من التعددية الدينية والثقافية، ما يجعل أبناء الجالية قادرين على تقديم نموذج حواري داخل المجتمع الأميركي، خصوصًا فيما يتعلق بفهم قضايا الشرق الأوسط بعيدًا عن التوترات والانقسامات.

ويشدّد على أن الكنائس والمؤسسات الدينية التي أسسها اللبنانيون في أميركا لعبت دورًا أساسيًا في الحفاظ على الهوية، وفي الوقت نفسه في الانفتاح على المجتمع الأميركي. هذه المؤسسات، برأيه، تحوّلت إلى منصات للتعريف بقضايا لبنان من زاوية إنسانية تركّز على الكرامة والعدالة والعيش المشترك، بدل الاكتفاء بالخطاب السياسي التقليدي.

كما يلفت الخوري مؤنس إلى أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق النخب المتعلّمة من أبناء الجالية، داعيًا إلى خطاب يجمع بين الإيمان والعقل، ويسهم في بناء جسور التفاهم داخل المؤسسات الأميركية بدل نقل الانقسامات اللبنانية إلى الخارج. ويختصر رؤيته بعبارة معبّرة: "قوة اللبناني في الاغتراب تكمن في رسالته، لا فقط في نجاحه".

 

السيدة ارليت عبسي

السيدة أرليت عبسي، وهي خبيرة في الترجمة والعلاقات العامة، ترى أن الدور الذي يؤديه اللبنانيون في الولايات المتحدة يتجسد بشكل واضح في “صناعة الفهم المتبادل” بين الثقافتين العربية والأميركية، معتبرة أن الترجمة ليست مجرد نقل لغوي، بل أداة دبلوماسية ناعمة تسهم في تشكيل الصورة العامة عن لبنان والشرق الأوسط داخل المؤسسات الإعلامية والأكاديمية الأميركية.

وتشير السيدة عبسي إلى أن كثيرًا من سوء الفهم الذي يحيط بقضايا المنطقة العربية يعود إلى فجوة لغوية وثقافية، وهو ما يجعل دور المترجمين والمتخصصين في العلاقات العامة أساسيًا في تقديم روايات دقيقة ومتوازنة. كما تؤكد أن اللبنانيين، بحكم خبرتهم الاغترابية وتعدد لغاتهم، يتمتعون بقدرة فريدة على لعب هذا الدور الوسيط بين البيئتين.

وتضيف أن العمل في العلاقات العامة داخل الولايات المتحدة يتيح للجالية اللبنانية فرصة إبراز قصص النجاح، والتجارب الإنسانية، والمبادرات المجتمعية، بما يساهم في تعزيز حضورهم الإيجابي داخل الفضاء العام الأميركي، بعيدًا عن الصورة النمطية المرتبطة بالمنطقة.

 

الاستثمار في الجيل الثاني والثالث

الأجيال الجديدة من اللبنانيين الأميركيين تحمل مهارات عالية في الطب والتكنولوجيا، والقانون، والعلوم السياسية، ويمكن أن تشكل نواة لوبي قوي.

الأميركيون من أصل لبناني ليسوا مجرد جالية مهاجرة، بل قوة حقيقية في المجتمع الأميركي. نجاحاتهم الفردية والجماعية صنعت لهم مكانة مرموقة، وفتحت لهم أبواب التأثير في السياسة والاقتصاد والثقافة. ومع كل خطوة يحققونها في الولايات المتحدة، يبقى لبنان في القلب: وطناً يحتاج إلى دعمهم، صوتهم، وخبراتهم.

إن تحويل هذا النفوذ إلى قوة منظمة يمكن أن يشكل نقطة تحول في علاقة لبنان بالولايات المتحدة، وفي مستقبل الجالية نفسها. فالقصة لم تنتهِ بعد، بل ربما بدأت الآن فقط.

 

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment