د. مهى محمّد مراد
في زمنٍ تتكاثر فيه الكلماتُ حتّى تفقد أحيانًا معناها، وتتناسل فيه الأخبار حتى تكادُ الحقيقةُ تضيعُ بين زحامها، تبقى الصحافة المسؤولة فعلًا أخلاقيًا قبل أن تكونَ مهنةً، ومن موقعي كأستاذة جامعية في اللّغة العربية، أجدني أنظرُ إلى الكلمة لا بوصفها أداة نقل فحسب، بل بوصفها كائنًا حيًا يحملُ دلالاتِه، ويصنع أثره في الوعي والوجدان.
وفي هذا السّياق، تأتي “بيروت تايمز” كأحد المنابر التي حافظتْ على رهبة الكلمة، وعلى قدرتها في التعبير الصادق عن الإنسان وقضاياه، فهي لم تكنْ يومًا مجرّد صحيفة تنقلُ الخبر، بل كانت مساحةً لصياغةِ المعنى، ولحفظ التوازن بين سرعة الحدث وعمقِ الرؤية.
لقد شهدتِ الصحافةُ، خلال السنوات الماضية، تحولاتٍ جذريةً طالت بنيتها ووظيفتها، فمع صعود الإعلام الرقميّ، لم يعدِ التحدّي في الوصول إلى المعلومة، بل في غربلتها، وفي إعادة تقديمها ضمن سياقٍ يليق بعقل القارئ. وهنا، تتقاطعُ تجربتي الأكاديميّة معَ تجربتي في الكتابة الصّحفية، حيث أدركُ أنّ اللغة ليست حياديّة، وأنّ اختيارَ المفردة يمكنُ أن يبنيَ وعيًا أو يشوّهه.
"بيروت تايمز” أدركتْ مبكرًا هذه الحقيقة، فحرصتْ على أن تبقى الكلمة فيها مسؤولة، دقيقة، وقادرة على حمل المعنى دون ابتذال، وفي زمنٍ طغت فيه العناوينُ الصادمة على حساب المضمون، اختارت أن تنحازَ إلى العمق، وأن تراهنَ على قارئٍ يبحث عن الفهم لا الإثارة.
أمّا بالنسبة لِما يتعلّق بالاغتراب، فقد شكّلتِ الصحيفةُ جسرًا لغويًا وثقافيًا بين اللبنانيّ وذاكرته، فاللغة، كما نعلم، ليست مجرّد وسيلة تواصل، بل وعاء للهُويّة، ومن هنا، فإنّ دورَ “بيروت تايمز” لم يقتصرْ على نقل أخبار الوطن إلى أبنائه في الخارج، بل ساهمت في الحفاظ على صلتهم باللغة التي تشكّل جزءًا من كيانهم.
وفي خضمّ الأزمات التي عصفت بلبنانَ، برزت الحاجة إلى إعلام ٍ لا يكتفي بوصف الألم، بل يسعى إلى تفكيكه وفهمه، إعلام يوازن بين نقل الواقع كما هو، وبين الحفاظ على أفقٍ مفتوح للأمل… وهنا أيضًا، كان لخطاب “بيروت تايمز” حضورٌ يراعي حساسية اللحظة، دون أن يتخلّى عن مسؤوليته النقدية.
اليومَ، ونحن نحتفي بمسيرة هذه الصحيفة، يبدو السؤال عن المستقبل مشروعًا وضروريًا، فمعَ تسارع التطور التكنولوجيّ، ودخول أدوات جديدة كالذكاء الاصطناعيّ إلى عالم الإعلام، تتضاعف مسؤوليّة الكلمة، إذ يصبحُ لزامًا علينا أن نعيدَ التأكيد على أنّ الإنسان، لا الآلة، هو من يمنح اللغة معناها الحقيقي.
ختامًا، أكتبُ هذه السطور لا بصفتي متابعة فحسب، بل شريكة في الإيمان بأنّ الكلمة قادرة على أن تصنع فرقًا. و”بيروت تايمز”، بما تمثله من تجربة إعلامية جادّة، تثبت أنّ الصحافة، حين تحترمُ عقل القارئ، وتُخلِص لرسالتها، تظلّ قادرةً على الاستمرار، وعلى أن تكونَ صوتًا لا يخفت، مهما تبدّلت الأزمنة.













04/30/2026 - 21:40 PM





Comments