حين تكون الكلمة وطنًا تأملات في معنى الانتماء والصدق في تجربة "بيروت تايمز"

04/30/2026 - 21:31 PM

Metrolink.com

 

 

مفيد خطّار

لم أكن من الذين رافقوا بيروت تايمز منذ بداياتها، ولا من الذين كتبوا في صفحاتها عبر عقودٍ من الزمن…

لكنني، حين وصلت اليها، لم أشعر أنني متأخّر، بل شعرت أنني وصلت إلى مكانٍ كان ينتظرني.

خمسة أشهر فقط…

زمنٌ قصير في حساب السنوات، لكنّه كافٍ ليمنح الإنسان إحساس الانتماء حين يكون المكان صادقًا، وحين تكون الكلمة حيّة.

كأنني ذاك العامل الذي دعاه الربّ إلى العمل في حقله بعد منتصف النهار؛ دخل إلى التعب بسلام، وإلى المعنى دون قلق من التأخير.

زمنٌ قصير في حساب السنوات، لكنّه كان كافيًا لأدرك أن المسألة هنا ليست زمنًا، بل معنىً.

في زمنٍ تُنشر فيه الكلمات بسرعة، وتُستهلك بسرعة أكبر، اكتشفت أن هناك فرقًا بين

أن تُنشر… وأن تُقال.

"بيروت تايمز" لم تكن بالنسبة لي مجرّد موقع اخباري، بل مساحة أستطيع فيها أن أكتب دون أن أُجامل، أن أعبّر دون أن أُقنع، أن أضع الكلمة كما هي… لا كما يُراد لها أن تكون.

وهنا، بدأت أفهم شيئًا أعمق: أن الصحافة الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد السنوات، بل بقدرتها على أن تبقى صادقة، حتى حين يتغيّر كل شيء.

أربعةُ عقودٍ وأكثر… ليست مجرّد تاريخ، بل ذاكرة. بل تَحقيق نبوءة: لبنانُ أكبرُ من وطن، إنّهُ رسالة.

ذاكرةُ شعبٍ تفرّق في العالم، وحاول أن يحملَ لبنان معه في الحقيبة، في الاسم، في الصِّلاة، وفي الحنين. تشتّتوا على الخرائط، لكنّهم ظلّوا مجتمعين في معنى واحد: أنّ هذا البلد الصغير بحجمه، الكبير بروحه، لا يُقاس بالحدود، بل بما يزرعه في الوعي من أسئلة وكرامة ودهشة.

إنهُ وطنٌ يهاجر أبناؤه، لكنه لا يهاجر منهم. يبقى فيهم كما تبقى الأم في صوت ابنها، وكما تبقى الجذور في طعم التراب مهما ابتعدت المسافات.

وحين يُقال: لبنان، لا يُقال كإسم جغرافي فقط، بل كنداء داخلي، كجرحٍ جميل، وكحلمٍ لا يزال يقاوم الانطفاء.

إنّهُ لبنان الرسالة، التي لم تُكتب بالحبر فقط، بل كُتبت بالوجع، بالإيمان، وبإصرار شعبٍ قرّر أن يبقى رغم كل ما يدفعه إلى الغياب.

فهل ما زلنا نقرأ الرسالة… أم أصبحنا نحن سطورها الضائعة؟

في الغربة، لا يكفي أن تحمل وطنك في قلبك،

أنت بحاجة لمن يذكّرك به…

لمن يَكْتُبُكَ، حين تعجز عن الكتابة.

وهنا، لعبت "بيروت تايمز" دورًا يتجاوز الخبر،

لتصبح رابطًا… وصوتًا… وأحيانًا بيتًا... ووطنًا.

أما اليوم، ونحن في زمنٍ تغيّرت فيه ملامح الإعلام، حيث تختلط السرعة بالسطحية، يبقى السؤال الأهم:

هل ما زالت الكلمة قادرة أن تعيش؟

تجربتي القصيرة تقول: نعم. لكن بشرط…

أن تُكتب من مكانٍ صادق.

في هذه الأشهر القليلة، لم أتعلم كيف أكتب أكثر، بل كيف أكتب بصدقٍ أكبر.

"بيروت تايمز" في عامها الحادي والأربعين، لا تحتفل فقط بما مضى، بل أيضًا بمن سيأتي من أقلامٍ تتابع رسالتها في الحقيقة.

وهي لا تكتفي بالاحتفاء، بل تطرح سؤالًا على كل من يكتب فيها:

ماذا سنفعل بالكلمة… حين نكتبها؟

هل نمرّرها كخبرٍ عابر، أم نجعلها أثرًا يشبه الحقيقة؟

هل نكتب لنملأ الصفحة، أم لنوقظ في القارئ إنسانه؟

فليست الصحف صفحاتٍ تُطوى، بل ذاكرةٌ تُختبر كلَّ يوم:

هل بقيت الكلمة فيها أمينةً لوجع الناس، أم تحوّلت إلى صدىً بلا روحٍ؟

في عامها الحادي والأربعين، تبقى "بيروت تايمز" أكثر من منبر… إنها امتحانٌ مفتوح للصدق، وسؤالٌ لا ينتهي:

ماذا سنفعل بالكلمة… بعد الكلمة؟

هل نتركها حبرًا يبرد على الورق، أم نجعلها نارًا تُضيء دربًا في العتمة؟

هل نقولها… ثم نمضي كأنّنا لم نقل، أم نسكنها… فتسكن فينا، وتُغيّرنا؟

فالكلمةُ التي لا تعبرُ إلى الحياة، تبقى ناقصةً… ولو كُتبت بأجمل العبارات.

ربما لم أمشِ الطريق منذ بدايته… لكنني، حين وصلت، عرفت أن الطريق حقيقي، ووجدت نفسي في كلِّ كلمةٍ رسمتها الأقلام على صفحاتها.

وفي عالمٍ تتبدّل فيه الأصوات، يبقى صوت الكلمة الصَادقة وحده قادرًا أن يدلّنا… على البيت، الوطن.

لبنانُ ليس مجرّد وطنٍ يُذكر، بل رسالةٌ إنسانيةٌ تُعاش. هو كلمةٌ تتجسّد في سلوك أبنائه، وحروفُه كلُّ مواطنٍ اختار أن يحمل المحبّة، والأخاء، والسلام نهجًا ورسالة. 

وفي زمنٍ كثرت فيه الأصوات، يبقى صوتُ الكلمةِ الصادقةِ وحده، قادرًا أن يدلَّنا… على الوطن. ذلك البيتُ الذي لا يُبنى بالحجر بل يُكتَبُ بالحق، ويُحفظُ بالضمير، ويُستعادُ حين نجرؤ أن نكون صادقين.

هنا، لا يكون الكُتّابُ مجرّد ناقلي حكايات، بل رُسُلَ لبنان الكلمة، يحملونها لا كحرفٍ يُنشر،

بل كأمانةٍ تُعاش.

بهم تُصانُ الذاكرة،

وبهم تُستعادُ الحقيقة،

وبهم يُرسمُ الطريق…

نحو وطنٍ لا يضيع.

فإن صدقت الكلمة، عاد لبنان..

وهنا، في هذا البيت، لا أعِدْ أن أكتب كثيرًا…

بل أعِدْ أن أكتب بصدق.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment