فاروق غانم خداج *
ليست “بيروت تايمز” صحيفةً تُقرأ فحسب، بل تجربةٌ تُعاش؛ منبرٌ صاغ عبر واحدٍ وأربعين عامًا علاقةً حيّةً بين الكلمة والإنسان، بين الوطن وأبنائه في الاغتراب. لم تكتفِ بأن تنقل الخبر، بل سعت إلى أن تحفظ المعنى، وأن تكون مساحةً يلتقي فيها العربي بذاته، مهما ابتعدت به المسافات.
واحدٌ وأربعون عامًا من العمل الإعلامي؛ رقمٌ في سجلّ الزمن، وأثرٌ في الوجدان. مسيرةٌ من الثبات على القيم، ومن الإيمان بأن الصحافة ليست مهنةً فقط، بل مسؤوليةٌ أخلاقيةٌ وثقافية. فمنذ انطلاقتها في فضاء الاغتراب، حين كانت تصل إلى القارئ محمّلةً برائحة الحبر ودفءِ الانتماء، اختارت “بيروت تايمز” أن تكون جسرًا حيًّا بين جغرافيتين: وطنٌ يضيق بأزماته، ومغتربٌ يتّسع بحنينه. ولم يكن هذا الخيار سهلًا، إذ تطلّب وعيًا مبكرًا بأن الإعلام، لكي يبقى، لا بدّ أن يتجاوز حدود المكان.
ومع التحوّلات الكبرى التي شهدها العالم، من الصحافة الورقية إلى الإعلام الرقمي، لم تفقد الصحيفةُ روحها، بل أعادت صياغتها. انتقلت إلى المنصّات الحديثة، لكنها حافظت على جوهرها؛ على الكلمة التي تُكتب بوعي، وتُقرأ بتأمّل. لم تنخرط في سباق الاستهلاك السريع، بل بقيت تراهن على النصّ الذي يحمل فكرةً، وعلى القارئ الذي يبحث عن معنى، لا عن مجرّد معلومة عابرة.
في الاغتراب، لا يكفي الخبر. ما يحتاجه الإنسان هو ما يُشبهه، ما يُعيد إليه صوته، ويذكّره بانتمائه. وهنا برز دور “بيروت تايمز” كحاضنةٍ للهوية، ومرآةٍ لذاكرةٍ لا تقبل النسيان. فيها لم يكن القارئ متلقّيًا فقط، بل شريكًا في تجربةٍ تُكتب وتُعاش في آن، تجربةٍ تتقاطع فيها الحكاية الفردية مع السردية الجماعية.
ولعلّ ما لا تُحصيه الإحصاءات، تلك اللحظة الحميمة التي يفتح فيها مغتربٌ صفحتها—ورقيًا أو على شاشة هاتفه—فيجد اسم قريته أو مدينته، لا كخبرٍ عابر، بل كحكايةٍ تُكتب باحترام. كلمةٌ كتبها مغتربٌ في أقصى أفريقيا يصف فيها اشتياقه لرائحة خبز أمّه، أو نصٌّ يستعيد طفولةً لبنانيةً لا تزال حيّة في الذاكرة. هنا تتحوّل الصحافة من نقلٍ إلى مشاركة، ومن خبرٍ إلى صلة.
لقد واكبت الصحيفةُ تحوّلاتٍ عميقةً في بنية الإعلام، وفي علاقة القارئ بالنصّ، ومع ذلك لم تتخلَّ عن خيارها الأساسي: أن تكون مع الحقيقة. لم تبحث عن الضجيج، بل عن الدقّة، ولم تُساوم على المعنى لصالح العاجل. وهذا ما منحها حضورًا مختلفًا، يتجاوز العابر إلى الأثر، ويجعلها أقرب إلى مشروعٍ ثقافيٍّ منه إلى وسيلة إعلامية عابرة.
ولعلّ ما يميّز “بيروت تايمز” أيضًا، أنها لم تكن يومًا مؤسسةً مغلقة، بل بيتًا مفتوحًا للكتّاب. فيها كُتبت نصوصٌ لم تكن مجرد آراء، بل شهاداتٌ على زمن، وتأمّلاتٌ في واقع، ومحاولاتٌ لفهم ما يجري، لا الاكتفاء بوصفه. وليس غريبًا أن تجد في أرشيفها نصوصًا لا تزال صالحة للقراءة بعد سنوات طويلة، لأنها كُتبت بعينٍ على الحقيقة وأخرى على الأثر.
في سياقٍ لبنانيٍّ معقّد، حيث تتداخل الأزماتُ بالآمال، أدّت الصحيفةُ دور الشاهد الذي يُضيء، لا الذي يُضلّل؛ مساحةً للقول المتزن لا الصراخ، للكلمة التي تعرف وزنها وتدرك أثرها. وهذا التوازن، في زمن التطرّف الإعلامي، هو ما يمنحها قيمتَها واستمراريتَها.
ومن زاويةٍ تحليلية، يمكن القول إن “بيروت تايمز” نجحت في معادلةٍ نادرةٍ في الإعلام العربي: الجمع بين الانتماء والموضوعية. لم تتخلَّ عن هويتها اللبنانية والعربية، لكنها في الوقت نفسه لم تنزلق إلى خطابٍ انفعالي. حافظت على مسافةٍ نقديةٍ من الواقع، دون أن تنفصل عنه، وعلى حسٍّ إنسانيٍّ يجعلها أقرب إلى القارئ من أي خطابٍ مغلق. وهذه القدرة على التوازن، بين القرب والحياد، بين العاطفة والعقل، هي ما يفسّر استمرارها، في وقتٍ تراجعت فيه منابر كثيرة.
ومع ذلك، لم تكن الطريق دائمًا ممهّدة. فقد واجهت الصحافة الورقية تحديات قاسية، كادت في لحظاتٍ أن تضع الحبر في مواجهة الانقراض. لكن “بيروت تايمز” لم ترَ في التحوّل الرقمي نهايةً، بل امتدادًا؛ لم تعتبر الشاشة بديلًا عن الورق، بل فضاءً جديدًا للكلمة نفسها. وهنا يكمن سرّ بقائها: في قدرتها على التحوّل دون أن تفقد ذاتها.
ومع دخول عصر الذكاء الاصطناعي وتسارع الإيقاع الإعلامي، يتجدّد السؤال: كيف يمكن للكلمة أن تبقى إنسانية في عالمٍ تكتبه الآلات؟ وربما هنا تحديدًا تكمن مهمّة “بيروت تايمز” المقبلة؛ أن تواصل الدفاع عن المعنى، وأن تكتب الإنسان، لا أن تكتفي بنقل ما يُكتب عنه.
بالنسبة لي، لا تبدو “بيروت تايمز” مجرّد منصةٍ للنشر، بل مساحةٌ للانتماء. فيها تلتقي الكلمةُ بالتجربة، والفكرةُ بالإحساس. لا يُكتب النصّ فيها لملء فراغ، بل لترك أثر، أثرٍ يبقى بعد القراءة، ويستمرّ في الذاكرة. وهذا ما يجعل العلاقة معها تتجاوز حدود المهنة، لتلامس معنى الوفاء للكلمة الصادقة.
في النهاية، تبقى الصحافةُ الحقيقيةُ تلك التي تُحسن الإصغاء إلى الإنسان، قبل أن تتحدّث باسمه. و”بيروت تايمز”، في مسيرتها الممتدة من الورق إلى الفضاء الرقمي، لم تراهن إلا على هذا المعنى.
واحدٌ وأربعون عامًا من الكلمة؛ رقمٌ في سجلّ الزمن، وأثرٌ لا يزال يتّسع في الوجدان… من الاغتراب، إلى العالم، عائدًا دائمًا إلى بيروت.
* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني













04/30/2026 - 21:28 PM





Comments