بقلم: صالح الطراونة *
بعد مرور واحد وأربعين عاماً على تأسيس بيروت تايمز، لا يمكن الحديث عن هذه التجربة بوصفها مجرد صحيفة عابرة في الزمن، بل بوصفها مشروعاً إعلامياً تشكّل عبر التحولات الكبرى التي عاشها العالم العربي، واستطاع أن يحافظ على صوته الخاص وسط ضجيج التبدلات السياسية والتقنية والثقافية.
لقد وُلدت بيروت تايمز في مرحلة كانت فيها الصحافة العربية تبحث عن ذاتها بين الالتزام المهني والتحديات السياسية، وبين محدودية الإمكانات واتساع الطموحات. وعلى امتداد أربعة عقود، لم تكن هذه المؤسسة الصحفية مجرد ناقل للأخبار، بل كانت مساحة للتفكير، ومنبراً للرأي، وجسراً يربط بين الداخل العربي وامتداداته في الاغتراب. وفي زمن تحوّلت فيه المعلومة إلى سلعة سريعة الاستهلاك، حافظت بيروت تايمز على قدر من التوازن بين السرعة والعمق، وبين السبق الصحفي ومسؤولية الكلمة.
إن قيمة بيروت تايمز لا تكمن فقط في أرشيفها الغني، بل في قدرتها على الاستمرار رغم كل ما واجهته الصحافة الورقية والإلكترونية من تحديات، بين الحروب والأزمات الاقتصادية، إلى الثورة الرقمية التي أعادت تعريف معنى الخبر ودور الصحفي.
أما على المستوى الشخصي، فإن علاقتي بهذه المؤسسة لم تكن مجرد علاقة مهنية عابرة، بل كانت علاقة تكوين وتشكيل. حين عملت مراسلاً لها في الأردن وكاتباً للمقالة، لم أكن أؤدي وظيفة بقدر ما كنت أنتمي إلى فكرة، فكرة أن الصحافة رسالة قبل أن تكون مهنة. في بيروت تايمز تعلّمت أن الكلمة مسؤولية، وأن الخبر ليس مجرد نقل للحدث، بل فهم لسياقه، وأن الرأي لا يكتمل إلا حين يُبنى على معرفة واحترام لعقل القارئ.
لقد منحتني هذه التجربة مساحة لأكون صوتاً يعكس واقع المجتمع الأردني وينقل تفاصيله بصدق إلى جمهور أوسع في الولايات المتحدة الأميركية. وكانت العلاقة التي جمعتني بها قائمة على الاحترام المتبادل والثقة، وهي قيم نادرة في عالم يتسارع فيه كل شيء، بما في ذلك العلاقات المهنية.
وعند التأمل في مسيرة واحد وأربعين عاماً، ندرك أن الاستمرارية ليست صدفة، بل نتيجة تراكم من الالتزام والصبر والإيمان بالدور الذي تؤديه الكلمة الحرة. فكم من مؤسسات بدأت قوية ثم خبت، وكم من أصوات ارتفعت ثم تلاشت، بينما بقيت بيروت تايمز محافظة على حضورها، متجددة في أدواتها، ثابتة في رسالتها.
إن الاحتفال بهذه الذكرى ليس مجرد استعادة للماضي، بل هو لحظة تأمل في معنى الصحافة اليوم: هل ما زالت قادرة على التأثير؟ هل ما زال للعمق مكان في زمن السرعة؟ تجربة بيروت تايمز تجيب، بشكل أو بآخر، بأن الصحافة التي تؤمن بذاتها وبجمهورها قادرة على الاستمرار، مهما تغيّرت الوسائل.
في النهاية، تبقى بيروت تايمز بالنسبة لي أكثر من صحيفة؛ إنها ذاكرة مهنية، وتجربة إنسانية، وعلاقة قائمة على المحبة والوفاء. ومع دخولها عامها الثاني والأربعين، يبقى الأمل أن تواصل هذا المسار حاملةً رسالتها، ومؤكدةً أن الكلمة الصادقة لا يحدّها زمن. وكل عام وأسرة بيروت تايمز بألف خير، وعقبال ألف عام.
* سفير بيروت تايمز في الاردن













04/30/2026 - 21:06 PM





Comments