بيروت تايمز… حين تتكلم الذاكرة، في احتفالها بمرور واحدٍ وأربعين عامًا

04/30/2026 - 20:57 PM

Metrolink.com

 

الاعلامية سيلفانا سمعان

لو كان للصحف أن تتكلّم، لما بدأت حكايتها من الورق، بل من تلك اللحظة التي وُضعت فيها الفكرة بين أيدي بشر قرروا أن الكلمة يمكن أن تتحمّل الزمن.

أنا بيروت تايمز. لستُ مجرد صفحات عبرت في أربعة عقود ونيّف بين أيدي القرّاء، ولا أرشيفًا محفوظًا على رفوف الزمن، ولا عنوانًا يمرّ ثم ينسحب.

أنا في حقيقتي حكاية بشر. أنا ذلك الحلم الذي وُلد يوم قرّر مؤسسون أن الكلمة يمكن أن تكون أكثر من خبر، وأن صحيفة واحدة قد تصبح وطنًا صغيرًا متنقّلًا يحمله العرب معهم أينما ابتعدوا.

حين بدأتُ، لم أكن أعرف أن واحدًا وأربعين عامًا ستمرّ، ولا أنني سأعبر حروبًا طاحنة وتحولات وانقلابات في العالم والإعلام، ولا أن أجيالًا ستتبدّل ولغاتٍ ستتغيّر ووسائل نشر ستعيد تشكيل نفسها.

لكن الذين أسّسوني كانوا يعرفون. عرفوا منذ البداية أن الصحافة التي تُبنى على الصدق لا تهرم، وأن الكلمة حين تُكتب بضمير تصبح أصلب من الزمن. هم لم يمنحوني اسمًا فقط، بل منحوني نبضي الأول: رؤيتهم، إيمانهم، وجرأتهم على زرع فكرة في أرضٍ لم تكن سهلة.

ثم بدأت ملامحي تتشكّل عبر الذين مرّوا بي: محرّرون شدّوا اللغة كي لا ينهار المعنى، كتّاب وضعوا شيئًا من ضميرهم في كل سطر، مراسلون حملوا العالم بعينين متعبتين لكن يقظتين، ومصمّمون حفظوا حضوري كي أصل بكرامة، وعاملون في الظل جعلوا اكتمالي ممكنًا.

أنا مدينة لهم جميعًا، لأن الصحيفة مهما بدا اسمها كبيرًا لا تصنعها المطابع وحدها، بل أولئك الذين يتركون في سطورها جزءًا من أعمارهم ثم يمضون، ويبقى الأثر بدل الأسماء.

كم من يدٍ مرّت ولم أرها، وكم من قلبٍ خفق داخلي ولم يعرفه القارئ، لكنني أعرفهم جميعًا. أعرف الذين حلموا بي قبل أن أولد، والذين حموني حين اشتدّت العواصف، والذين رفضوا أن أتحوّل إلى صدى عابر في زمن الضجيج.

في عالمٍ صار الخبر فيه أسرع من معناه، تعلّمتُ درسًا واحدًا: أن الأهم ليس أن أصل أولًا… بل أن أبقى جديرة بالثقة بعد أن تمرّ اللحظة.

لهذا لم أكن صحيفة تبحث عن الضجيج، بل عن المعنى. كنت نافذة لا شاشة، ذاكرة لا ومضة، وصوتًا يمكن العودة إليه لا صدى يختفي.

ولعلّ أجمل ما حدث لي أنني صرت بيتًا لمن ابتعدوا عن أوطانهم. كم مغتربٍ فتحني في مدينة بعيدة، فلم يجد خبرًا فقط، بل وجد شيئًا يشبهه: رائحة مدينة، ظلّ لغة، وإحساسًا بأن المسافة لا تلغي الانتماء.

هناك، بين الغربة والانتماء، فهمتُ رسالتي: لم أكن أنقل الأخبار فقط، بل أحفظ الخيط الرفيع بين الإنسان وجذوره.

اليوم، بعد واحدٍ وأربعين عامًا، لا أرى نفسي في عدد السنوات، بل في عدد الأرواح التي مرّت بي وتركتني أوسع.

أنا حصيلة مؤسسين آمنوا، وفريقٍ أخلص، وكتّاب جعلوا الكلمة عهدًا، وقرّاء منحوني سببًا للاستمرار.

قد يظنّ البعض أن سرّ بقائي هو الزمن، لكن الزمن وحده لا يصنع الخلود. ما يصنعه حقًا هو الإخلاص حين يُبنى مرة ويستمر.

لهذا، حين يُقال اليوم: بيروت تايمز، فليس المقصود صحيفة فقط، بل سيرة جماعية كاملة كتبتها أيادٍ كثيرة، وجعلت من اسمٍ واحد ذاكرة لا تنطفئ.

أنا بيروت تايمز. وإن كنتُ ما زلت هنا، فلأن الذين صنعوني كتبوا فيَّ ما هو أبعد من الحبر.

أنا لا أحتفل كمن يُنهي عامًا، بل أستقبل عامًا جديدًا كمن يفتح طبقة أخرى من نفسه. أحتفل مع كل من مرّ بي: من أسّس، ومن كتب، ومن حرّر، ومن قرأ، ومن آمن بي حتى في صمتي. وأقولها بلا تكلّف: شكرًا. شكرًا لأنكم جعلتموني أكثر من صحيفة، جعلتموني أثرًا.

نحن نحتفل معًا: أنتم وأنا.

وإن كان هذا العام واحدًا وأربعين، فإن القادم ليس رقمًا بقدر ما هو امتداد. أكثر من أربعين عامًا مضت، وما زال هناك متّسعٌ لكل ما لم يُكتب بعد. وما زلتُ هنا كما بدأت: بالكلمة، بالناس، وبالإيمان نفسه الذي لم يتغيّر.

إلى اللقاء في السنوات القادمة، حيث سنكمل الحكاية معًا… صفحةً بعد صفحة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment