حين يصبح الإعلام رسالةً ومسؤوليةً… بيروت تايمز نموذجٌ في الثبات والصد

04/30/2026 - 20:39 PM

Metrolink.com

 

 

الكاتب الإعلامي د. أنور ساطع أصفري

حين نتحدث عن مؤسسةٍ إعلاميةٍ امتدّ عمرها إلى 41 عاماً، فإننا لا نستعرض تاريخاً زمنياً فحسب، بل نستحضر رحلةً كاملةً من الكفاح المهني، والتحدي الفكري، والالتزام الأخلاقي.

وخاصّة إنني ممّن امتهنوا العمل الإعلامي لسنواتٍ طوال، تمتدّ إلى حوالي 55 عاماً، ويدركون ماهيّة العمل الإعلامي وأدبياته ووسائل نجاحه واستمراريته. 

 نحن الآن أمام كيانٍ إعلامي لم يكن مجرّد ناقلٍ للأخبار، بل صانعاً للوعي، ومشاركاً فاعلاً في صناعة وصياغة الحرف الهادف، ومشاركاً في تشكيل الذاكرة الجمعية، وفاعلاً حقيقياً في قلب التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة العربية، من خلال الحرف والكلمة والحدث.

سنواتٌ طوال من الإبداع في فن العطاء ومن العمل الإعلامي ليست زمناً عادياً، إنها عقودٌ توالت فيها المطبات والأزمات، وتعاقبت فيها الانقلابات، وتأزّمت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، واشتعلت فيها الحروب، وتبدّلت فيها خرائط السياسة والتحالفات الاقليمية والدولية. 

في خضمّ هذا الواقع، وقفت المؤسسة الإعلامية " بيروت تايمز " ثابتةً كجذع شجرةٍ ضاربةٍ في عمق الأرض، وكشجرة سنديانٍ منتصبة، تتلقّى العواصف دون أن تنكسر، وتتمايل مع الريح دون أن تسقط، وبقيت ثابتة بأصولها وقيمها وثوابتها.

 الظروف لم تكن سهلة خلال هذه المسيرة، ولم تكن الطريق معبّدة، بل كانت مليئةً بالمطبات، بالضغوط، ومحاولات الإخضاع أو الاحتواء، لكنها اختارت أن تبقى حيث يجب أن يكون الإعلام، الذي يتبنّى الحقيقة والكلمة الملتزمة والهادفة.

لقد عرفت " بيروت تايمز “ كيف تحوّل المحنة إلى فرصة، والضغط إلى دافع، والتحدي إلى نقطة انطلاق وفي منتهى الإبداع.

 ففي كل مرحلةٍ من مراحل التاريخ العربي الحديث، كانت حاضرةً، ليس كمراقبٍ صامت، بل كفاعلٍ واعٍ لكلِ مُجريات الأمور والأحداث، يقرأ المشهد، ويحلّل الحدث، ويقدّم للجمهور المتلقّي مادةً إعلاميةً تتجاوز السطح إلى العمق نحو الحقيقة، وتتخطّى الخبر إلى الفهم.

 لم تركن إلى السهولة، ولم تستسلم لإغراء الإثارة الرخيصة، بل راهنت دائماً على العقل، وعلى وعي المتلقي، وعلى قيمة الثوابت في الحرف الهادف والنبيل.

وإذا كان كثيرٌ من المؤسسات الإعلامية قد تهاوى تحت وطأة التحولات أو انحرف تحت ضغط المصالح، فإن " بيروت تايمز “ استطاعت أن تحافظ على توازنٍ دقيقٍ بين الاستمرارية والتجدد.

 فهي لم تجمُد عند أدوات الماضي، ولم تنفصل عن روح العصر. واكبت وتبنّت التقنيات الحديثة، وفتحت نوافذ جديدة للتواصل مع جمهورها المتابع، ولم تتخلَّ عن هويتها، ولم تفرّط في مبادئها، ولم تسمح للسرعة أن تكون بديلاً عن الدقة، ولا للانتشار أن يكون على حساب النوعية والمصداقية.

لقد كانت " بيروت تايمز “ مدرسةً حقيقيةً بكلِ معنى الكلمة، خرّجت أجيالاً من الإعلاميين والمثقفين، الذين حملوا رسالتها إلى فضاءاتٍ أوسع وأنقى، وأسهموا في ترسيخ قيم المهنية والحرفية والالتزام.

" بيروت تايمز “ هي ليست مجال عملٍ وحسب، بل هي فضاءٌ للتكوين، وبيئةٌ لصقل التجارب، ومنبرٌ للأصوات الحرة التي وجدت فيها مساحةً للتعبير دون خوف، والنقاش دون وصاية أو إملاء.

كما أن حضورها لم يقتصر على نقل الحدث، بل امتدّ إلى ملامسة هموم الناس ومعاناتهم، والتعبير عن قضاياهم، والدفاع عن حقهم في المعرفة. كانت قريبةً من نبض الشارع، وأحلامه وخيباته. لم تتعالَ على جمهورها، ولم تنفصل عنه، بل كانت جزءاً منه، تعكس صوته، وتنقل مطالبه، وتضيء على تطلعاته وطموحاته.

نحن ندرك ونتابع، ونعرف أن هناك العديد من المنصّات الإعلامية تراجعت وتلاشت، في زمنٍ تراجعت فيه الثقة بالإعلام في أحيانٍ كثيرة، ولكن " بيروت تايمز " استطاعت أن تحافظ على رصيدها المعنوي، وعلى مكانتها، وعلى رصيدها البياني، وأن تتربّع على عنوان المصداقية والحقيقة والاتزان. 

وهذا بحدِّ ذاته قد اكتمل كخلاصةِ عملٍ جادٍ وطويل، المترافق والمرتبط بالالتزام الفعلي بأخلاقيات وأدبيات الإعلام، كي تبقى الكلمة بمثابة مسؤولية قبل أن تكون وسيلة. 

إننا، حين نحيّي مسيرة " بيروت تايمز “ إنّما نحتفي بقيمة الكلمة الحرة، والعطاء المهني، والإيمان المطلق بأن الإعلام ليس مهنةً وحسب، بل رسالة سامية. 

أكثر من 40 عاماً من العطاء يتمثّل في شهادة بقاءٍ وصمود في زمن الزوال، ودليلُ ثباتٍ في زمن التقلّب، وبرهانٌ على أن من يزرع الحقيقة لا بُدّ إلاّ أن يحصد الثقة.

كل التحية لهذه القامة الإعلامية التي صمدت، في الوقت الذي يتعثّر فيه الآخرون، واستمرت في مسيرتها في الوقت الذي يتوقّف فيه الآخرون، وأضاءت حين خفتت أضواء أخرى. 

والتحية الأكبر لأولئك الذين وقفوا بكلٍ نُبلٍ خلف هذا الصرح، من صحفيين، ومحررين، ومراسلين، وتقنيين، وكُتّابٍ وإعلاميين، لقد حملوا عبء الرسالة، وآمنوا بها، وكانوا أوفياء لها، ودفعوا ثمنها أحياناً، لكنهم لم يتخلّوا عنها يوماً ما.

تبقى " بيروت تايمز "  أكثر من مجرد اسمٍ في سجل الإعلام، إنها ذاكرةُ زمن، وصوتُ مرحلة، وعنوانُ ثباتٍ في عالمٍ سريع التغيّر، ومهما تبدّلت الوسائل، وتغيّرت المنصّات، ستبقى الكلمة الصادقة التي حملتها، هي سرّ بقائها، وسبب مجدها، وضمان استمرارها.

إنّ بقاء " بيروت تايمز " واستمراريتها في دائرة الفعل والحدث، والكلمة الهادفة النبيلة، هي استثناء يستحق كل التقدير والثناء، فهي لم تعش على أمجاد الماضي وحسب، بل صنعت لنفسها برجاً شامخاً شاهقاً، وحضوراً متميّزاً ومُتجدّداً في كلّ خطوةٍ من خطواتها، وأثبتت بأن الإعلام الحقيقي لا يهرم ولا يشيخ، بل دائم الحضور والتطوّر، ولا يتراجع، بل يُعيد بناء وتشكيل نفسه وكيانه، بما يليق مع رسالته الإعلامية والإنسانية. 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment