الدكتور فيليب سالم
واحدٌ وأربعون عاماً… ليست مجرد رقمٍ يُضاف إلى سجلّ الزمن، بل هي مسيرةُ إيمانٍ طويل بالكلمة، وإصرارٌ على أن يكون للإعلام وجهٌ إنسانيٌّ صادق وحر، لا ينحني أمام العواصف ولا يتخلّى عن رسالته. واحدٌ وأربعون عاماً من الحضور الذي لم يكن عابراً، بل عميقاً ومتجذّراً في وجدان كل من قرأ، وكل من كتب، وكل من آمن بأن الحقيقة تستحق أن تُقال.
في هذه المناسبة، لا نستعيد فقط تاريخ صحيفة، بل نستحضر روح تجربةٍ إعلاميةٍ وُلدت في زمنٍ صعب، حين كان لبنان يمرّ في أقسى مراحله، فاختارت بيروت تايمز أن تكون أكثر من شاهدٍ على الألم؛ اختارت أن تكون صوتاً له، ونافذة أملٍ تُفتح في وجه العتمة، وجسراً يربط بين وطنٍ جريح وأبنائه المنتشرين في العالم.
منذ انطلاقتها عام 1985، حملت بيروت تايمز رسالة واضحة: أن الإعلام ليس مهنةً فحسب، بل مسؤولية. ليس مجرد نقلٍ للأحداث، بل فهمٌ لها، وانحيازٌ للإنسان في جوهرها، لذلك لم تكن صفحاتها يوماً باردة أو محايدة بالمعنى السلبي، بل كانت حيّة، تنبض بما يعيشه الناس، وتعبّر عن قلقهم وأحلامهم، وتدافع عن حقهم في أن يُسمع صوتهم.
على مدى أربعة عقودٍ وأكثر، استطاعت ادارة بيروت تايمز أن تحجز لنفسها مكانةً راسخة بين أبرز المنابر الإعلامية في الاغتراب، لا لأنها سعت إلى ذلك، بل لأنها التزمت بما هو أصعب من ذلك: وهو الصدق.
حافظت على مهنيتها في زمنٍ كثرت فيه التنازلات، وتمسّكت بحرية الرأي في وقتٍ ضاقت فيه مساحات التعبير، فكانت نموذجاً للإعلام الحر الذي يجمع بين الجرأة والمسؤولية، وبين الانفتاح والانضباط.
بيروت تايمز هي مساحةً للقاء، لا ساحةً للانقسام. احتضنت الكلمة الحرّة، وفتحت أبوابها أمام الفكر، وشجّعت الحوار الهادئ البنّاء. ومن خلال هذا الدور، أسهمت في تعزيز الروابط بين أبناء الجاليات اللبنانية والعربية في الولايات المتحدة وسائر دول الانتشار، فكانت مرآةً تعكس وجوههم المختلفة، وقاسماً مشتركاً يجمعهم على الانتماء والذاكرة والحنين.
ومع تغيّر الزمن وتسارع إيقاعه، أثبتت الصحيفة قدرتها على التجدّد دون أن تفقد هويتها. انتقلت إلى الفضاء الرقمي، ووسّعت حضورها عبر منصاتها الرقمية، فقرّبت المسافات، وجعلت الكلمة تصل في لحظتها إلى كل قارئ، أينما كان. ومع ذلك، بقيت وفيةً لجوهرها: إعلامٌ حرّ، مسؤول، وإنساني، لا يساوم على الحقيقة ولا يفرّط بالقيم.
إن هذه المسيرة لم تكن لتستمر لولا الجهود الصادقة التي بذلها فريق العمل على امتداد السنوات: صحفيون وكتّاب ومراسلون وإداريون، آمنوا بأن ما يقومون به ليس عملاً عادياً، بل رسالة. كما أن القرّاء، بثقتهم ووفائهم، كانوا دائماً الشريك الحقيقي في هذا النجاح، يمنحون الصحيفة معناها، ويجعلون لاستمرارها قيمة.
في قلب هذه المسيرة، بقي البعد الإنساني هو البوصلة. لم تبتعد بيروت تايمز عن قضايا الناس، ولم تتعالَ على آلامهم، بل كانت قريبةً منهم، تكتب عنهم، ومن أجلهم. دافعت عن الكرامة، ووقفت إلى جانب الحق، ورفعت صوت من لا صوت لهم، فكانت بحقّ أكثر من صحيفة… كانت ضميراً حيّاً.
واحدٌ وأربعون عاماً ليست نهاية حكاية، بل بداية فصلٍ جديد. فصلٌ يحتاج إلى مزيدٍ من الوعي، ومزيدٍ من الابتكار، ومزيدٍ من التمسّك بما هو جوهري. فالإعلام اليوم يواجه تحدياتٍ غير مسبوقة، لكن التجارب الأصيلة وحدها القادرة على الاستمرار، لأنها مبنية على قيمٍ لا تتغيّر.
ختاماً، أتوجّه بكل الامتنان إلى كل من كان جزءاً من هذه الرحلة: من أسّس، ومن كتب، ومن دعم، ومن قرأ بمحبةٍ وإخلاص. وأدعو أن تبقى بيروت تايمز منارةً للكلمة الحرّة، ومساحةً للحوار، وجسراً دائماً يصل لبنان بأبنائه في كل مكان.
كل عام وبيروت تايمز بخير… كل عام وهي أقرب إلى الإنسان، وأوفى للحقيقة، وأجمل بما تحمله من رسالةٍ امل لا تشيخ.













04/30/2026 - 20:27 PM





Comments