أ.محمد إبراهيم الزموري
ليست الذكرى السنوية مجرد رقم يُضاف إلى عمر مؤسسة إعلامية، بل هي وقفة تأمل في معنى الاستمرار، وفي قيمة الأثر الذي يُترك في الوعي الجمعي، وفي القدرة على الصمود أمام تحولات الزمن. وحين تحتفل صحيفة بيروت تايمز بمرور واحد وأربعين عامًا على تأسيسها، فإنها لا تحتفل فقط بتاريخ إصدار أول عدد، بل تحتفل بمسيرة فكرية وثقافية وإنسانية امتدت عبر أربعة عقود، حملت خلالها الكلمة العربية إلى فضاءات الاغتراب، وحملت نبض الاغتراب إلى قلب الوطن.
إن الصحافة، في جوهرها، ليست مجرد نقلٍ للأخبار؛ إنها — كما قال الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس — جزء من “الفضاء العمومي” الذي تتشكل فيه الأفكار، وتُصاغ فيه الإرادات، وتُناقش فيه قضايا المجتمع. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى بيروت تايمز بوصفها أكثر من صحيفة؛ إنها فضاء عمومي عربي-أميركي، تشكل على امتداد عقود ليمنح الجالية العربية في الولايات المتحدة صوتًا، وذاكرة، ومنبرًا للتعبير.
لقد جاءت ولادة بيروت تايمز عام 1985 في لحظة فارقة شديدة التعقيد. كان العالم العربي آنذاك يرزح تحت أزمات سياسية وحروب أهلية وصراعات إقليمية، وكانت الهجرة العربية إلى الولايات المتحدة وكندا وأوروبا تتسع باطراد، حاملة معها أسئلة الهوية والانتماء والاندماج. وفي خضم هذا المشهد، برزت الحاجة إلى منبر إعلامي لا يكتفي بإخبار المغترب بما يحدث في وطنه، بل يساعده على إعادة تعريف ذاته في وطن جديد.
وهنا تبرز مقولة المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد حين قال: “المنفى هو أشدّ الأقدار قسوة، لكنه قد يتحول إلى موقع للرؤية.” فالمنفى لا يجرّد الإنسان من المكان فقط، بل يدفعه إلى البحث عن مرآة يرى فيها نفسه. وقد لعبت بيروت تايمز هذا الدور؛ كانت مرآةً للجالية العربية في أميركا، ترى فيها أخبار أوطانها، وتحولاتها، وأزماتها، وأفراحها، كما ترى فيها صورتها الجديدة كمجتمع مهاجر يصوغ ذاته بين ثقافتين.
إنّ قوة الصحيفة لم تكن يومًا في كونها ناقلًا للخبر فحسب، بل في كونها منتجةً للمعنى. فهي لم تمارس “الإعلام الحدثي” فقط، بل مارست “الإعلام التفسيري”، الذي لا يكتفي بأن يقول للقارئ ماذا حدث، بل لماذا حدث، وما الذي يعنيه ذلك في سياقه الأوسع. وهذا ما يجعلها أقرب إلى ما وصفه المفكر الفرنسي بيير بورديو حين اعتبر أن الإعلام، في صورته المثلى، ليس مجرد “سوق للخبر”، بل “حقل لإنتاج الرموز والمعاني”.
منذ انطلاقتها، بدت بيروت تايمز مشروعًا إعلاميًا متعدد الأبعاد؛ فهي لبنانية المنشأ، عربية الهوية، أميركية الفضاء، عالمية التطلعات. وهذا التعدد لم يكن عبئًا عليها، بل كان مصدر قوتها. إذ جمعت بين القرب من نبض الشارع العربي، وفهم بنية المجتمع الأميركي، والقدرة على مخاطبة القارئ المهاجر بلغته الثقافية والسياسية والنفسية.
وقد أدركت الصحيفة مبكرًا أن الإعلام في المهجر لا يقتصر على السياسة، بل يتجاوزها إلى بناء “مجتمع تخيّلي” على حد تعبير عالم الاجتماع بندكت أندرسون، الذي رأى أن وسائل الإعلام تخلق شعورًا بالانتماء بين أفراد لم يلتقوا قط، لكنهم يتشاركون اللغة والذاكرة والقضايا.
وهكذا، تحولت بيروت تايمز إلى وطن رمزي، يلتقي فيه العربي في نيويورك مع العربي في ميشيغان، وفي كاليفورنيا، وفي مونتريال، وفي سيدني… عبر النص والصورة والتحليل.
ومن هنا نفهم أن وظيفة الصحافة في المهجر ليست فقط إعلامية، بل أنثروبولوجية أيضًا؛ فهي تحفظ الذاكرة الجماعية من الذوبان، وتعيد إنتاج الهوية في سياق جديد. وهذا ما أشار إليه المفكر الفرنسي بول ريكور حين تحدث عن العلاقة بين “الذاكرة والهوية”، معتبرًا أن الإنسان لا يعرف نفسه إلا من خلال السرد. والصحيفة هنا تصبح سردية جماعية، تحفظ للأفراد قصة انتمائهم.
لقد نجحت بيروت تايمز في أن تكون سجلًا حيًا لتحولات العالم العربي والجاليات العربية عبر العقود. فمن الحروب اللبنانية، إلى الانتفاضات الفلسطينية، إلى حرب الخليج، إلى الربيع العربي، إلى التحولات الأميركية تجاه الشرق الأوسط… كانت الصحيفة شاهدةً ومؤرخةً ومحللةً. وهذا الدور التوثيقي يمنحها قيمة تاريخية تتجاوز حدود الصحافة اليومية.
كما لعبت دورًا ثقافيًا لا يقل أهمية عن دورها السياسي. فقد فتحت صفحاتها للأدباء والشعراء والمفكرين والإعلاميين، فصارت منبرًا للفكر والنقاش والحوار. وفي زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي منصات للسرعة والانفعال، بقيت الصحيفة فضاءً للتأمل والتحليل، للكلمة المكتوبة بوعي ومسؤولية.
ولا يمكن إغفال دورها في ترسيخ قيم الحرية الصحفية. فهي تعمل في بيئة أميركية يحمي دستورها حرية التعبير، لكنها في الوقت نفسه تخاطب جمهورًا قادمًا من بيئات عربية عانت طويلًا من الرقابة والتوجيه. ومن هنا، لعبت دورًا تربويًا في تعويد القارئ على التعددية، وعلى سماع الرأي والرأي الآخر. وهذا ما يجعلها قريبة من التصور الليبرالي للصحافة كما نظّر له جون ستيوارت ميل في كتابه عن الحرية، حين رأى أن الحقيقة لا تتجلى إلا عبر صراع الآراء.
لكنّ الاحتفاء بالماضي لا يعفي من التفكير في المستقبل. فنحن نعيش اليوم زمنًا تغيّرت فيه بنية الإعلام جذريًا. لم تعد الصحيفة الورقية وحدها سيدة المشهد، بل دخلنا عصر الإعلام الرقمي، والخوارزميات، والذكاء الاصطناعي، وصناعة المحتوى اللحظي. وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن لمؤسسة عريقة مثل بيروت تايمز أن تحافظ على إرثها، دون أن تتحول إلى متحف للحنين؟
إن الإجابة تكمن في معادلة صعبة لكنها ممكنة: التجديد دون التفريط بالأصل. فالمستقبل لن يكون للأسرع فقط، بل للأكثر مصداقية. ولن يكون للأعلى صوتًا، بل للأعمق تحليلًا. وقد أثبتت تجارب عالمية أن المؤسسات الإعلامية التي نجحت في التحول الرقمي هي التي حافظت على هويتها التحريرية، بينما طورت أدواتها التقنية.
إنّ عالم اليوم، كما وصفه زيغمونت باومان، يعيش “حداثة سائلة”، تتبدل فيها القيم بسرعة، وتتفتت فيها المرجعيات. وفي مثل هذا العالم، تصبح الحاجة إلى مؤسسات إعلامية راسخة أكبر من أي وقت مضى. مؤسسات تمنح القارئ يقينًا نسبيًا وسط فوضى المعلومات، وتعيد ترتيب العالم له، وتساعده على الفهم لا على التشتت.
ومن هنا، فإن بيروت تايمز ليست مجرد صحيفة تحتفل بعيد تأسيسها؛ إنها مؤسسة تحمل ذاكرة جماعية، وتؤدي وظيفة حضارية في زمن الاغتراب. إنها جسر بين الشرق والغرب، بين الماضي والمستقبل، بين الذاكرة والواقع، بين الحنين والاندماج.
لقد كانت — وما تزال — جزءًا من الذاكرة اليومية للقارئ العربي في المهجر؛ يفتحها ليقرأ خبرًا، فيجد فيها شيئًا من وطنه، وشيئًا من نفسه، وشيئًا من العالم.
وفي النهاية، قد تتغير الوسائط، وتتبدل المنصات، وتختلف أشكال القراءة، لكن ما لا يتغير هو حاجة الإنسان إلى الحقيقة، وإلى الكلمة الحرة، وإلى منبر يمنحه الإحساس بأنه ليس وحيدًا في هذا العالم.
ولهذا، ستظل بيروت تايمز، بعد واحد وأربعين عامًا، أكثر من صحيفة…ستظل ذاكرة هوية، وصوت جالية، ووطنًا من كلمات في زمن الاغتراب.













04/30/2026 - 20:15 PM





Comments