ما بعد الطائف... تحديات المرحلة الجديدة

04/25/2026 - 00:27 AM

Prestige Jewelry

 

 

رشيد ج. مينا

عاد الأمل بأن يكون لبنان على أعتاب مرحلة جديدة بعد أن أنهكته الحروب والوصايات والاغتيالات، وبدأت ملامح عهدٍ يُراد له أن يطوي صفحات الألم تحت عنوان "وثيقة الوفاق الوطني"، أو ما عُرف باتفاق الطائف. لكنّ الشكوك كانت تسبق الأمل في ذهنه، كما في أذهان كثيرين من المؤمنين بلبنان الحرّ والعروبة الحقة.

لقراءة المقال السابق، يُرجى النقر على الرابط التالي: https://beiruttimes.com/article/54488

تتوالى التحولات وتتشابك الوقائع، ومع كل مرحلة جديدة كان لا بد من المراجعة والتأمل، لا للندم بل لاستشراف الطريق. فالمسيرة التي بدأت بإيمان صلب وقيم نضالية لا تزال تواجه، والمشهد اللبناني في مطلع التسعينيات يُعيد رسم نفسه تحت مظلّة "اتفاق الطائف" وما رافقه من وعود وخيبات.

بين عامي 1987 و1989 كان ناشطًا بقوة، يشارك في لقاء الأحزاب وهيئة التنسيق، ويتابع مجريات المرحلة العاصفة التي توّجت باغتيال الرئيس رشيد كرامي بتفجير الطائرة العسكرية التي أقلّته من معرض طرابلس الدولي في الأول من حزيران 1987. حادثة مأساوية طالت الزعيم الوطني الطرابلسي والمعتدل، في منطقة خاضعة تمامًا للنفوذ السوري الأمني والعسكري. لم تُكشف ملابساتها الحقيقية، كما جرت العادة في الجرائم التي تُرتكب لتصفية الرموز أو إعادة هندسة المشهد السياسي.

تولّى شقيقه، المحامي عمر كرامي، رئاسة الهيئة، لكن الطريقة بدت أشبه بتكليف فوقي أكثر منها قرارًا صادرًا عن قاعدة ديمقراطية. باتت التعيينات والتمثيلات مجرد واجهة تُستخدم لتزيين صورة ديمقراطية مزيّفة، فيما القرار الفعلي بيد منظومة الوصاية ومن يدور في فلكها.

في تلك الأثناء، انتهت الحرب الإيرانية العراقية بعد ثماني سنوات من الدمار والاستنزاف، كانت خلالها بالنسبة له حربًا قومية بامتياز، فإيران الجديدة - كما فهم من سلوكها - لم تكن سوى مشروع مذهبي توسّعي يسعى للهيمنة، وهو ما انعكس لاحقًا بوضوح أكبر في ساحات لبنان والعراق واليمن وفلسطين وسوريا.

كل هذه التحولات كانت تحصل، ولبنان على وشك الدخول في زمن جديد. تم التوصل إلى اتفاق الطائف برعاية سعودية مباشرة وبغطاء دولي وعربي. انتُخب الرئيس رينيه معوّض، لكنه اغتيل سريعًا في انفجار وسط بيروت، ليخلفه الرئيس إلياس الهراوي، وتُشكّل حكومة برئاسة عمر كرامي عام 1990، أُسقطت على إثرها حكومة العماد ميشال عون العسكرية، بعد عملية عسكرية قادها النظام السوري بالتنسيق مع حلفائه اللبنانيين، فخرج عون من القصر إلى السفارة الفرنسية، ومنها إلى منفاه في باريس.

في تلك المرحلة أُقفل ملف سمير جعجع بالاعتقال، وحُلّت المليشيات، وجُمعت الأسلحة، ودُمج جزء من عناصرها في المؤسسات الشرعية. تحوّلت الميليشيات إلى شركاء في الحكم، وأُعيد تشكيل السلطة بتركيبة جديدة، لكنّ يد الوصاية كانت أكثر رسوخًا، وعملية "بناء الدولة" كانت مشروطة ومحدودة الإطار. ورغم التهديدات، ومحاولة اغتياله، لم يتراجع. بقي فاعلًا في هيئة التنسيق، عضوًا في اللقاء المركزي للأحزاب والقوى الوطنية والاسلامية، على علاقة وثيقة بمراسلي الصحف وأصحاب الرأي، مواكبًا لما يحدث، مشاركًا بكل ما يمكن، ومحافظًا على الثوابت.

كان يدرك أن المرحلة الجديدة لن تكون مفروشة بالوعود. لم يكن الطائف وحده كافيًا، فالإرادة الوطنية المستقلة كانت بحاجة إلى من يحميها من الداخل، وليس فقط من يتبناها من الخارج.

بقيت بعض المبادرات خجولة، والبيئة الشعبية لا تزال تعاني من آثار الحرب، والفكر الحزبي تآكل بفعل عقلية الزبائنية والارتهان، وغابت القناعة العقائدية عند كثير من أبناء التنظيمات. ومع ذلك، ظلّ على العهد: يطرق الأبواب، يقيم علاقات، يتحرّك ضمن الممكن، يؤمن أن ما لا يتحقق اليوم قد يأتي غدًا، إذا ما بقيت الفكرة حية. ومع أن الإمكانات كانت محدودة، إلا أن التصميم بقي كبيرًا، والقرار اتُّخذ: لا عودة إلى الوراء، لا تفريط بالثوابت، ولا مساومة على المبادئ.

كان مكتبه وسط المدينة بمثابة منصة نضالية، يُستقبل فيها الجميع، وتُدار منها الحوارات والاجتماعات، وتُبنى من خلالها جسور الحضور في زمنٍ سادت فيه الرداءة والتبعية.

مع الأخوة، تقرر توسيع التحرك وفق جدول محدد، وتم اعتماد مقر مؤسسته الخاصة وسط المدينة كمركز للحركة. من هناك، بدأ فصل جديد من المتابعة والاشتباك الإيجابي، بحثًا عن بوصلة المرحلة الجديدة.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment