المستشارة والكاتبة /غدير عبدالله الطيار
في عالم التدريب، هناك من يبني القلاع حجراً بحجر، وهناك من يأتي ليخرجك من حريق كاد يلتهم كل شيء. اليوناني جورجوس دونيس، الذي ارتبط اسمه مؤخراً بقيادة المنتخب السعودي في مهمة إنقاذ قبل مونديال 2026، يجد نفسه دائماً في منطقة رمادية بين هذين الدورين.
أولاً: دونيس كمدرب "إدارة أزمة"
أثبتت تجارب دونيس مع أندية مثل الفتحوالوحدة أنه "رجل المهمات الصعبة"؛ فهو يمتلك قدرة فائقة على:
الاستجابة السريعة: إعادة ترتيب الأوراق الفنية في وقت قياسي.
بث الروح: يتميز بشخصية قوية وتصريحات مباشرة تضع النقاط على الحروف، كما حدث في انفجاره الشهير ضد إدارة الوحدة لكشف المعوقات المالية.
الواقعية التكتيكية: يعتمد على أدواته المتاحة دون فلسفة زائدة، مما يجعله الخيار الأول للأندية التي تعاني من تراجع النتائج أو خطر الهبوط.
ثانياً: هل يصلح دونيس لـ "إدارة مشروع"؟
عند الحديث عن "المشروع"، تبرز بعض الشكوك التي رافقت مسيرته:
تذبذب الاستقرار: رغم نجاحه الباهر مع الهلال في بداياته (3 بطولات)، إلا أن النهاية كانت بالاستغناء عنه بعد فقدان السيطرة على النتائج الكبرى.
الصدمات المتكررة: تعرض للإقالة من عدة محطات سعودية (الهلال، الوحدة، الفتح)، مما يشير إلى وجود فجوة في استمرارية النفس الطويل للمشروع الفني.
الاستهلاك النفسي: صراحته الحادة واحتجاجاته المتكررة على التحكيم والإدارة قد تخلق بيئة مشحونة تصعب معها إدارة المشاريع الهادئة المستدامة.
الخلاصة: هل هو الحل المناسب؟
إذا كان فريقك يغرق ويحتاج لـ "طوق نجاة"فني ونفسي، فإن دونيس هو الحل الأمثل بلا منازع. أما إذا كان البحث عن بناء هوية فنية تستمر لسنوات وتصعد باللاعبين الشباب من القاع إلى القمة، فإن التاريخ يقول إن دونيس يفضل "المواجهات الخاطفة" على "الحروب الطويلة".
هل تعتقد أن المنتخب السعودي في حالته الراهنة يحتاج إلى "إطفائي" مثل دونيس، أم لبناء مشروع جديد تماماً؟ هذا اولاً
لنتحدث بواقعية تتجاوز لغة العاطفة؛ فالسؤال هنا ليس عما إذا كان دونيس مدرباً "جيداً" أم لا، بل هل هو "المهندس" الذي سيبني المنتخب لسنوات؟
بناءً على مسيرته ونمط تدريبه، إليك تحليل لكونه الحل الأمثل من عدمه:
لماذا قد لا يكون هو "رجل المشروع"؟ (السلبيات)
مدرب "الصدام" لا "الهدوء": دونيس مدرب انفعالي، صراحاته المتكررة مع الإدارات (كما حدث في الوحدة والفتح) قد تؤدي لعدم استقرار طويل الأمد. المشروع يحتاج لمدرب هادئ يبني علاقة مؤسسية مستدامة.
الواقعية على حساب الهوية: دونيس يفضل الفوز بأي وسيلة (البراغماتية)، بينما بناء منتخب للمستقبل يتطلب فرض "هوية فنية" واضحة (أسلوب لعب ثابت) تتوارثها الأجيال، وهو ما لا نراه دائماً في فرق دونيس التي تتغير حسب الخصم.
عمر التجربة: تاريخياً، نادراً ما استمر دونيس في مشروع واحد لأكثر من موسمين. هو ينجح في إحداث "هزة" إيجابية سريعة، لكنه يواجه صعوبات في الحفاظ على نفس الرتم لسنوات طويلة.
لماذا قد يكون "حلاً مرحلياً" ذكياً؟ (الإيجابيات)
خبير بالدوري واللاعبين: دونيس يعرف "العقلية" السعودية تماماً. لن يحتاج لوقت للاستكشاف، هو يعرف نقاط ضعف وقوة كل لاعب في دوري روشن، وهذا يختصر سنوات من البحث.
استخراج أفضل ما في المتاح: هو يمتلك ميزة "توليف" تشكيلة قوية من أسماء قد لا تكون "سوبر"، مما يعني أنه سيعيد الثقة للاعب المحلي الذي قد يشعر بالتهميش في ظل وجود الأجانب.
الشخصية القوية: المنتخب في المرحلة القادمة يحتاج لمدرب "قائد" يعيد الانضباط ويضع هيبة القميص فوق كل اعتبار، ودونيس يمتلك هذه الكاريزما.
الخلاصة
إذا كان الهدف هو بناء جيل للمستقبل (مشروع 5-10 سنوات)، فدونيس قد لا يكون "الخيار النموذجي" مقارنة بمدربين يملكون فلسفة بناء شاملة (مثل مدرسة أياكس أو المدربين الإسبان).
أما إذا كان الهدف هو صناعة منتخب "صلب" يصعب هزيمته ويعيد ترتيب الأوراق المبعثرة التي خلفها رينارد، فهو "الحل العملي" حالياً. هو سيجهز لك فريقاً يحترمه الجميع، لكنه قد لا يكون المدرب الذي يضع حجر الأساس لمدرسة كروية سعودية جديدة.
برأيك، هل نضحي بالنتائج الفورية في المونديال مقابل التعاقد مع مدرب "بناء" طويل الأمد، أم أن اسم المنتخب السعودي يتطلب نتائج عاجلة أولاً؟.













04/24/2026 - 04:40 AM





Comments