6 / 10
رشيد ج. مينا
* في ظلّ تعاقب مراحل من الانخداع بالأحلام التنظيمية والصراعات المسلحة، يطلّ المقال السادس ليرصد لحظة الانكشاف الكبرى: اغتيال القائد وانهيار مشروع تنظيمي كان يُفترض أن يكون منطلقًا للنهضة. هذه الومضة المظلمة تُعيد طرح السؤال: كيف يستمر النضال عندما يكون التنظيم ذاته عرضة للتفكّك والحقد؟
لقراءة المقال السابق، يُرجى النقر على الرابط التالي: https://beiruttimes.com/article/54333
مع العودة إلى المدينة التي يعشق، حيث وُلد ونشأ وترعرع، عاد محمّلًا بالأفكار والمسؤوليات، عائلية وتنظيمية، بعد أن كرّس نفسه للعمل المتفرغ. استغرق وقته في القراءة والتعمق في التجارب، لا سيما التجربة الناصرية التي باتت تشدّه أكثر من أي وقت مضى. وجد في شخصية القائد الراحل جمال عبد الناصر القدوة والملهم، وتفاعل مع فكره ومواقفه، ومع نضاله في مواجهة قوى الاستعمار من جهة، وتنظيمات الإسلام السياسي وأصحاب المشاريع المشبوهة من جهة أخرى.
تعمّق أيضًا في تجارب الثورات العالمية وكتب التآمر على الشعوب، من بينها بروتوكولات حكماء صهيون، وأخذ يربط بين ما يجري في وطنه والمنطقة وبين ما يُحاك من مشاريع تهدف إلى تفتيت المجتمعات ونهب مقدراتها. لم يكتف بالقراءة، بل نظّم حلقات تثقيف فكري وتنظيمي داخل الفرع الذي يشرف عليه، وشارك في اجتماعات "الهيئة" و"لقاء الأحزاب"، محافظًا على حضوره السياسي وسط بيئة أمنية خانقة، ومشهد حزبي مليء بالتناقضات والانقسامات.
في تلك المرحلة، تزامن الأمل الذي كان يستمده من بطولات المقاومة الوطنية اللبنانية، مع أخبار موجعة عن سلسلة من الاغتيالات الدموية التي طالت شخصيات وطنية رافضة للهيمنة السورية، من طرابلس إلى بيروت، كما بدأت المذهبية تطفو بوضوح على سطح المشهد، وبرزت ممارسات إقصائية من قوى كانت حتى الأمس القريب ترفع راية المقاومة والتحرر.
ثم جاء الخبر الصاعق: اغتيال الأمين العام للتنظيم في منزله في بيروت – شباط 1986 – على يد أحد مرافقيه السابقين. لم يصدق ما سمع. سارع إلى بيروت حيث جرى الاتصال به من رئيس الحكومة آنذاك، الذي قدّم له التعازي وطلب منه بذل الجهود لتهدئة الأوضاع وسحب المسلحين من الشوارع. تمّت الاستجابة بدعم من اللجنة الأمنية المشتركة، وجرى تشييع الشهيد في اليوم التالي وسط حزن عارم، وإطلاق نار كثيف، وانتشار مسلح مكثّف.
بعد التشييع، توجّه إلى منزل الشهيد، حيث التقى بزوجته وشقيقها وابن عمه، وتم التداول في حيثيات الاغتيال وظروفه. تبيّن أن المنفّذ شاب سوري الجنسية من مدينة حلب، كان التحق بالتنظيم في عمر صغير، وشارك في معاركه، ثم غادر لأداء الخدمة العسكرية في سوريا، ولم يظهر مجددًا إلا يوم الاغتيال، بعد أن اتصل بالأمين العام وطلب لقاءه، فاستقبله الأخير كأخ. كانت تلك لحظة الغدر.
حمل كل المعطيات والصور المتوفرة إلى رئيس الحكومة، الذي استقبله في منزله في بيروت، وتفاعل مع الملف بحسرة واضحة، مؤكدًا معرفته القديمة بالشهيد وارتباطه به. وعد بمتابعة الموضوع، وطالبه بالصبر ومواصلة المسار السياسي برويّة، مع أمل بلقائه في طرابلس من خلال الهيئة.
ما زاد من ألم الخسارة أن الأمين العام، قبيل اغتياله، كان قد أنهى زيارة إلى باريس التقى خلالها بعدد من قيادات منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك النائب الطرابلسي السابق القيادي البارز بحزب البعث العراقي، وكان محور اللقاءات تنسيق الجهود القومية والوطنية لمواجهة المذهبية والانقسام، وتعزيز دعم القضية الفلسطينية في ظل تصاعد الهيمنة الطائفية وفقدان العرب لتوازنهم بسبب حرب الخليج الأولى.
أما الصدمة التالية، فكانت حالة الانكشاف الكامل للتنظيم. فقد اكتشف أنه يقف أمام هيكل شبه فارغ، وأن الجميع قد غادر نحو مصالحه الخاصة، تاركًا الفكرة والأساس. في لقائه الأخير مع عائلة الشهيد، اتفق على التزام معنوي ومالي مؤقت (لمدة 11 شهرًا) لمساعدته على ترتيب أوضاعه والبحث في مصيره القادم.
عاد إلى مدينته محمّلًا بالحزن والأسى، بقلق على التنظيم، وبخيبة من رفاق الدرب، لكنه لم يفقد الإرادة. نعم، ضُرب الحلم، وقُتل الأمل، ولكن لا استسلام... لا بد من طريق.













04/22/2026 - 06:04 AM





Comments