عاد إلى مدينته... البداية من جديد ومسؤولية تتّسع

04/19/2026 - 04:48 AM

Bt adv

 

5 /10

 

رشيد ج. مينا

في المقال السابق تحدثت عن: الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 وما كشفه من تواطؤ عربي وسقوط الشعارات، دخل الشاب مرحلة جديدة من الوعي السياسي. فقد شكّلت صدمة الاحتلال، ومجازر صبرا وشاتيلا، وانتخاب رئيس للجمهورية تحت حراب الاحتلال، لحظة انهيار كبرى لكل القناعات السابقة.

https://beiruttimes.com/article/54310

يواصل المقال الخامس تتبع مسار التحول من الانبهار بالتنظيم إلى صدمة الواقع، ومن الأمل في المقاومة إلى التورط في شبكة التنظيمات والانقسامات، وسط مشهد دموي ومعقد تحكمه سطوة الوصاية، وتفتت الشعارات. وبين فقد الوالد ومواجهة المسؤوليات، يبدأ طرح السؤال الأخطر: هل هذا هو النضال حقًا؟ أم نسخة مستحدثة من التبعية وغياب الحرية؟

عاد إلى مدينته بعد اللقاء مع الأمين العام، لقاء شكّل مفترقًا جديدًا في مساره ومسؤولياته. كان يحمل في ذهنه أسئلة كثيرة:

من أين يبدأ؟ كيف يترجم هذا التكليف إلى فعل؟ وكيف ستكون عليه الأمور في ظل تسارع الأحداث واتساع رقعة الغليان؟

بدأ خطوته الأولى بدعوة من بقي على العهد في التنظيم، وعدد من الأصدقاء الذين كان يلتقيهم في النقاشات حول القضايا الوطنية والنضالية. كان الاجتماع الأول تعارفًا وتوضيحًا لما دار في بيروت، تلاه لقاءات متتالية تميّزت بالتكتم والانضباط. وكان تركيزه واضحًا: إعادة البناء من خلال التثقيف الفكري والتنظيمي، لا الحماسة وحدها.

لكن المدينة لم تنتظر طويلًا حتى دخلت في دوامة جديدة من النار. هذه المرة، كانت المعركة بقيادة الجيش السوري لإخراج ما تبقى من قوات الثورة الفلسطينية وقياداتها من البقاع والشمال، بعدما سبق لإسرائيل أن أخرجتها من الجنوب وبيروت. سقطت طرابلس تحت الحصار والنار، وحوصرت معها أحلام كثيرة، وانتهى الأمر بخروج الفلسطينيين للمرة الأخيرة، بعدما ودعتهم المدينة مجروحة ومنهكة.

في خضم كل ذلك، ظل تواصله قائمًا مع الأمين العام في بيروت، وكان التنسيق السياسي يأخذ شكله العملي. وجاءت إحدى المحطات المهمة حين قام بتسليم رسالة من الأمين العام إلى رئيس الحكومة، الذي كان يرأس هيئة تنسيقية لشؤون الشمال. نصّت الرسالة على اعتماد الشاب عضوًا في الهيئة ممثلًا للتنظيم في طرابلس والشمال، وتم الترحيب به، ليصبح عضوًا في الهيئة وفي "لقاء الأحزاب والقوى الوطنية والإسلامية"، وكان أصغرهم سنًا.

لكن المدينة كانت تسير على الحافة. صراعات حزبية، فلتان أمني، وسيلان دماء تحت شعارات لا تُحصى، ووسط ضجيج لا يحمل في طيّاته أي مشروع إنقاذ. وعندما اندلعت المواجهة الكبرى في المدينة، كان حجم الدمار والاعتقالات والمجازر تحت السوط السوري أكبر من أن يوصف. ظهرت تشكيلات محلية جديدة، مدعومة من أجهزة المخابرات، ومؤلفة من فلول تنظيمات سابقة ومخبرين، في مشهد عزّز الظلم وراكم الحقد والكراهية تجاه النظام الطاغي، دون أن يمتلك كثيرون الجرأة للبوح.

هو، رغم كل ذلك، ظل حريصًا على ألا يدخل في خصومات. أدّى دوره السياسي ضمن الهيئة واللقاء، لكنه كان يشعر كمن يسير في حقل ألغام. وبينما كان يحاول أن يكتشف أكثر عن التنظيم الذي بات مسؤولًا عنه، صُدم عندما أدرك أن هذا التنظيم منشق أساسًا عن تنظيم آخر، وخرجت منه لاحقًا تشكيلات جديدة... صورة مصغّرة عن واقع ساحة تغلي بالتشظي والتناقضات.

وفي خضم هذا الزخم، رحل والده. كانت خسارة الوالد فاجعة إنسانية، لكنها جلبت معها مسؤوليات عائلية جسيمة. لم يكن قد بلغ الرابعة والعشرين بعد، وها هو اليوم مطالب بإعالة والدته وإخوته، في بلد يكاد يفقد كل مقوماته.

في لحظة الحداد، تلقى اتصالًا من الأمين العام معزّيًا وداعيًا إياه إلى لقاء جديد في بيروت. رحّب بالدعوة، لكنه ذهب إليها مثقلًا بالأعباء والأسئلة. وخلال اللقاء، عبّر الأمين العام عن إعجابه بمسيرته، واقترح عليه "التفرغ" للعمل التنظيمي لقاء مساعدة مالية شهرية. في البداية، بدا العرض غريبًا، بل صادمًا. لم يكن يراه وظيفة أو راتبًا، لكنه اقتنع أن هذا سيساعده على الموازنة بين المسؤوليات العائلية والسياسية، فوافق.

كان يظن أنه يختار طريق النضال، لكنه لم يدرك أن هذا القرار تحديدًا سيكون أحد أسوأ خياراته، لأنه فتح الباب أمام تحوّل الالتزام الفكري إلى ارتباط مادي... خط التباس خطير بين القناعة والمصلحة، بين النضال والاحتواء.

عاد إلى مدينته بعد اللقاء وهو يغوص في بحر من التفكير:

 هل هذه هي الطريق الصحيحة؟ هل هكذا تُصنع التضحيات وتُبنى القضايا؟ وهل من يُفترض بهم قيادة التغيير، هم فعلًا على قدر الحلم؟

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment