4 /10
رشيد ج. مينا
في المقال السابق تحدثت عن: اجتياح بيروت عام 1982 وما كشفه من تواطؤ عربي وسقوط شعارات كثيرة، يدخل الشاب مرحلة جديدة من الوعي السياسي. تهتز قناعاته القديمة، ويبدأ بحثًا أعمق عن معنى الالتزام الحقيقي. في تلك اللحظة المفصلية، يلتقي للمرة الأولى بالأمين العام للتنظيم، فيكشف له واقع الانقسامات والتحديات، من الاحتلال الإسرائيلي إلى الطائفية والنفوذ السوري. يُطلب منه تولّي مسؤولية الشمال، فيقبل بشروط بعد أن واجه تناقضات التنظيم على الأرض. يعود من بيروت برؤية مختلفة، محمّلًا بوعي جديد تجاه المرحلة، ليبدأ مسارًا جديدًا في إعادة البناء وسط الفوضى والانهيار الوطني بعد صبرا وشاتيلا وانسحاب الاحتلال.
https://beiruttimes.com/article/54305
بعد صدمة الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 وما رافقه من تواطؤ عربي وصمت مدوٍ، تبدأ مرحلة جديدة من التشكّل الفكري والسياسي لدى الشاب الذي كان قد خاض تجارب متشعبة بين العمل والتنظيم والسعي نحو الحقيقة. صدمة الواقع القاسي، وانكشاف الزيف في كثير من الشعارات، دفعت به إلى المزيد من الغوص في معترك الواقع، والبحث عن معنى الالتزام والنضال خارج الدوائر الشكلية. هنا، في مفترق بالغ الحساسية، يلتقي بقيادة التنظيم المركزية لأول مرة، وتتكشّف أمامه معادلات جديدة بين الإيمان بالقضية وبين واقع التشرذم والاحتواء... ليبدأ طورًا آخر في مسيرته.
من بين الركام... لقاء وتحوّل
يعود بالذاكرة إلى تلك المرحلة التي شكّلت مفترقًا جديدًا في مساره النضالي والفكري، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، ذلك الحدث الذي لم يكن مجرّد احتلال عسكري بل صدمة كبرى هزّت الكيان الوطني، وحطّمت أوهام الشعارات المرفوعة، وعرّت الواقع العربي المتواطئ أو العاجز حتى عن إصدار موقف حقيقي.
لم تكن الفاجعة فقط في الانسحاب المنكسر لقوات منظمة التحرير، ولا في تفكك البُنى الحزبية اللبنانية، بل في مشهد انتخاب رئيس للجمهورية تحت حراب الاحتلال، وسط انقسام داخلي، وعجز تامّ عن المواجهة. وما زاد المشهد قتامة كانت مجازر صبرا وشاتيلا التي فضحت السقوط الأخلاقي الكامل لكل المنظومة الدولية.
في خضمّ هذه المرحلة، تم انشقاق مسؤول الشمال في التنظيم الذي كان ينتمي إليه الشاب، ومعه قيادي شمالي كان عضوًا في القيادة المركزية، فرّ من بيروت لحظة الاجتياح واحتلال العاصمة. حينها، جرى لأول مرة تواصل مباشر بينه وبين الأمين العام للتنظيم. جاء الاتصال بطلب للقدوم إلى بيروت ولقائه وجهًا لوجه.
رحلة طويلة ومتعبة استغرقت أكثر من سبع ساعات، عبَر خلالها عشرات الحواجز التي أقامها الجيش السوري على امتداد الوطن الممزق. وعندما وصل أخيرًا إلى منزل الأمين العام، وجد أمامه شخصية مختلفة كليًا عمّا عهد في التنظيم:
رجل متواضع، واسع الثقافة، واضح الرؤية.
كان اللقاء كاشفًا ومفصليًا. تحدّث الأمين العام بصراحة لافتة عن طبيعة المرحلة ومخاطرها، وأكد أن المشروع الصهيوني لا يزال في أوجه، لكن ما يتهدد لبنان والمنطقة ليس فقط الاحتلال، بل الطائفية والمذهبية التي تغذيها قوى كبرى، وعلى رأسها إيران عبر ما تسوّقه من "تصدير الثورة".
وأبدى موقفًا واضحًا من النظام السوري، مُشيرًا إلى سطوته الأمنية وممارساته، منتقدًا طريقة تعاطيه مع لبنان كحديقة خلفية، مستنكرًا صمته عن الجولان المحتل واحتلاله لبيروت. وأكّد أن ما يجري في العراق هو حرب قومية شريفة، يجب أن يلتف حولها كل من يحمل حلم الوحدة والتحرير، واعتبر أن قضية فلسطين يجب أن تبقى القضية المركزية للأمة.
في هذا اللقاء، طُلب من الشاب تحمّل المسؤولية التنظيمية والسياسية الكاملة عن منطقة الشمال. وقد رحّب بذلك لكن بشروط، فقد باح له بما خَبِر من تناقضات ميدانية، وسلوكيات تنظيمية بعيدة كل البعد عن المبادئ. وقال له بكل صراحة:
"من أطلق في إحدى المهرجانات الوطنية شعار أسد في لبنان... أرنب في الجولان لا يمكنه إلا أن يكون صادقًا في انتمائه، لكني رأيت في الميدان ما يناقض كل ما تقولونه".
أقرّ الأمين العام بصعوبة المرحلة، وأكّد أن ظروف الحرب والاحتلال وتفكك الوطن حالت دون المتابعة الدقيقة، لكنه وعد بتصويب المسار، وبأن التنظيم بحاجة إلى وجوه تمتلك فكرًا ووعيًا لا مجرّد أدوات تنفّذ تعليمات.
عاد الشاب من بيروت مثقلًا بأفكار جديدة، وبرؤية أكثر عمقًا للمشهد المعقّد الذي يعيش فيه. لم يعد ذلك الفتى الحائر، بل بات مسؤولًا عن إعادة البناء في منطقة غارقة في الفوضى والمخاوف، في ظل سطوة سورية مطلقة، وتدهور الحركة الوطنية، وانفراط عقد الأحزاب، وتحوّل البعض منها إلى أدوات في يد أجهزة المخابرات.
كانت مجزرة صبرا وشاتيلا لا تزال حيّة في الأذهان، والانسحاب الإسرائيلي قد تمّ، لكن الجرح عميق، والصدمة لم تندمل. والشاب بدأ رحلة جديدة في مواجهة كل ما شوه الحلم بالتغيير.
التتمة في المقال القادم













04/18/2026 - 12:04 PM





Comments