3 /10
رشيد ج. مينا
في المقال الثاني، من التجربة الأولى وُلدت ملامح التحوّل. قرأ بنهم، عمل وتنقّل بين دول المنطقة، فاكتشف قدرته على الإبداع. هاجر إلى مونتريال بحثًا عن أفق جديد، فواجه انقسامات الجالية وتعلّم قيمة التفكير المستقل. أدرك أن الهجرة ليست خلاصًا وأن الوطن لا يغادر القلب. عاد أكثر وعيًا وتصميمًا على مسار جديد، مؤمنًا بأن التغيير يبدأ بفكر حر وصادق. ومن ربيع مونتريال بدأت بذور الوعي تنبت فيه.
https://beiruttimes.com/article/54280
بعد عودته من ربيع مونتريال، لم يكن الشاب نفسه كما كان من قبل. حمل معه من هناك حنينًا متجددًا إلى الوطن، لكنه أيضًا عاد بأفكار وأسئلة لا تهدأ. بدأ مرحلة جديدة في حياته، يعيش حالتين قد تبدوان متناقضتين، لكنهما كانتا بمثابة جناحين لطائر لا يستقيم طيرانه إلا بهما:
شغف بالأعمال والصناعة والتجارة، وفي الوقت نفسه، إحساس متزايد بأن عليه دورًا يتجاوز ذاته، يرتبط بقضايا الإنسان والحرية والكرامة والنضال.
أسّس مع أحد أقاربه مؤسسة صناعية في إحدى البلدات، وارتدى بذلة رجال الأعمال، متأثرًا بالمظهر الخارجي لنجاحهم، قبل أن يدرك سريعًا أن قيمه وأفكاره لا تنسجم مع مظاهر لا تعكس الجوهر. في قلبه، كان يؤمن أن الإنسان بقيمه ومبادئه، لا بما يملك أو يرتدي. تلك القيم كانت تدفعه أكثر نحو الاهتمام بالقضايا الوطنية والعربية، وبدأت الأفكار القومية العربية تجذبه بقوة.
انخرط في الحياة العامة، وشارك في المناسبات والندوات، واقترب أكثر من الفكر الناصري الذي وجد فيه مشروعًا حضاريًا جامعًا. قرأ عن جمال عبد الناصر، واستلهم من خطبه ومسيرته طموحًا بالنهضة والتحرر، حتى قرر الانضمام إلى تنظيم ناصري، لعلّه يجد فيه طريقًا للفعل والتأثير.
لكن الواقع لم يكن كما توهم. سرعان ما لاحظ التناقض بين الشعارات والممارسات، وارتاب في بعض من يمثلون التنظيم، فوجدهم باحثين عن سلطة وارتباطات مشبوهة أكثر من كونهم أصحاب فكر ورسالة. تساؤلاته بدأت تتكاثر: هل أنا على الطريق الصحيح؟ هل هذه الشعارات هي حقًا أدوات بناء وطن ومجتمع، أم مجرد أقنعة لتمرير المصالح؟
لم يكن يملك وقتًا كافيًا للتفكير، فالأحداث كانت تتسارع. الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 شكّل صدمة كبرى له ولجيله. رأى بأم عينه كيف دخل العدو إلى بيروت، كيف تهاوت الجبهات، وانهارت القوى التي كانت ترفع رايات المقاومة. شارك في الاجتماعات، أصدر بيانات التنديد، تبرع بالدم، لكنه شعر أن الفعل الحقيقي غائب، وأن الشعب الذي اعتقد أنه مقاوم قد تَفكّك، وانقسم مجددًا بين من يقاوم ومن يبرر أو يتعاون.
الوصاية السورية كانت قد ترسخت، والتنظيمات تشرذمت، والثقة انعدمت. حتى الفصائل الفلسطينية خرجت من بيروت، في مشهد بدا له كخاتمة مأساوية لوهم طويل. كانت لحظة فاصلة في وعيه: كل الشعارات التي تربّى عليها، كل الأحلام الثورية، كل الأطر التنظيمية... لم تمنحه سوى الخيبة.
عاد إلى ذاته، ليعيد الحسابات: هل انخدع؟ هل سار خلف أوهام؟ هل كان ساذجًا حين آمن أن الوطن يُبنى بالخطب؟
ربما، لكنه في المقابل، لم يستسلم. بقي على قناعته بأن هناك طريقًا آخر — أصدق، أعمق، وأكثر إنسانية — يستحق البحث عنه.
التكملة في المقال القادم .....













04/18/2026 - 06:32 AM





Comments