من فتى السنتين إلى ربيع مونتريال

04/17/2026 - 15:40 PM

A

 

2 /10

 

رشيد ج. مينا

في المقال الأول، رويت حكاية مراهق انخرط في أتون الحرب اللبنانية في عمر الرابعة عشرة، دون وعي ولا إدراك، مُجذوبًا بسحر السلاح والشعارات الكبرى. خرج من حرب السنتين في السادسة عشرة، مذهولًا من الدم والدمار والشتات، ليبدأ رحلة بحث داخلية عميقة عن المعنى والحقيقة. 

https://beiruttimes.com/article/54274

"ومن تلك التجربة الأولى التي لا تُمحى، انطلقت ملامح التحوّل..."

"ربيع مونتريال... حين ينبت الوعي"

مع بداية التفتح الذهني، انكبّ على القراءة:

من الصحف اليومية كالنهار والسفير، إلى سِيَر القادة التاريخيين والأبطال، مرورًا بكتب السيرة النبوية، والتاريخ العربي، وسير رجال الأعمال والصناعة. كان شغوفًا بمسائل الاقتصاد كما بالقضايا الكبرى. اختلط في داخله الحلم بالمعرفة بحلم الإنجاز، فتنقّل بين لبنان وسوريا والأردن، يعمل ويتعلم. في سوريا، تألق في صناعة المفروشات المعدنية. وفي الأردن، طوّر مصنعًا بسيطًا إلى ورشة لإنتاج معدات المطاعم، مما منحه ثقة بقدرته على التغيير والإبداع.

عاد إلى لبنان حاملًا تلك الأحلام، لكنه كان يرى في الأفق أسئلة أكبر: لماذا يُقهَر الإنسان في كل مكان؟ وأين الحرية والكرامة التي يتغنون بها؟ دفعه القلق إلى بغداد، في محاولة لاستكشاف آفاق جديدة. هناك، لمح فرصة للهجرة إلى كندا من خلال السفارة. لم يكن يملك المال، لكن والده — الذي هاجر له ستة من أولاده — لم يتردد بدعمه، إدراكًا منه أن لبنان آنذاك لم يكن يحتمل مستقبلًا آمنًا.

وصل الشاب إلى مونتريال، لا يجيد الإنجليزية إلا قليلًا، لكنه استطاع أن يقيم في سكن طلابي، وأن يبدأ رحلة جديدة:

عمل في مطعم، وشارك في دورات تعليمية، واحتكّ بجالية لبنانية منقسمة على ذاتها، كل فئة تنقل خلافاتها القديمة إلى أرض جديدة، وكل تيار يشيطن الآخر. أحزنه أن يرى حركات كانت تُرفع كشعارات وطنية تتحوّل في الغربة إلى بؤر تخوين وانقسام.

لكن التجربة فتحت عينيه أكثر:

على أهمية التفكير المستقل، وعلى ضرورة أن يُعيد الإنسان تموضعه الفكري باستمرار. اكتشف أن الهجرة ليست بالضرورة خلاصًا، وأن الوطن — رغم أوجاعه — يسكن في القلب، ولا يتركك.

لم تطل إقامته. الحنين إلى الوطن، ورفضه لفكرة الغربة الدائمة، دفعاه للعودة. لكنه عاد مختلفًا:

أكثر وعيًا، أوسع أفقًا، وأكثر تصميمًا على أن يبحث عن مسار مختلف في وطن مأزوم. كان يدرك أن لا خلاص إلا بفكر متجدد، متحرر من التبعية، صادق مع نفسه، ساعٍ إلى الحقيقة... حتى وإن كانت مؤلمة.

ومن هناك، من ربيع مونتريال، بدأت بذور الوعي تنبت في قلب شاب قرر أن يكتب تجربته مع الحياة، كما عاشها، لا كما أرادوا له أن يراها.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment