* 1-10
رشيد ج. مينا
اندلعت الحرب اللبنانية بعد سلسلة من الحوادث والاعتداءات،العام ١٩٧٥ كان أبرزها "بوسطة عين الرمانة" وما تبعها من "السبت الأسود". كان في الرابعة عشرة من عمره، لم يسبق له أن شارك في أي نشاط سياسي أو اجتماعي، سوى بعض الأنشطة الكشفيّة التي لم تترك في ذهنه سوى ذكرى عابرة.
بالقرب من منزله، كانت هناك جمعية ذات طابع ديني، سرعان ما تحوّلت إلى مركز للمقاتلين. لم يعرف كيف ولماذا، فقط انجذب لحمل السلاح، كما لو أنه يلامس حلمًا بطوليًا غامضًا. طلب الانتساب، وقُبل سريعًا. بعد بضع حصص تدريبية على استخدام السلاح الخفيف والقنابل اليدوية، أصبح أحد عناصر الحراسة على باب المقر، وهو بعد لا يفقه شيئًا عن أهداف الجماعة ولا شعاراتها.
شيئًا فشيئًا، انتقل من الحراسة إلى الدوريات، ومن الدوريات إلى خطوط التماس، حيث مناطق ذات غالبية من طائفة أخرى، أقنعوه أنه يدافع عن العرض والدين ضد الكفرة وأعداء الوطن. في تلك الفترة، تداخلت الشعارات وتشابكت، وتعددت التنظيمات، وتكاثر القتل على الهوية.
انقسم الجيش، احترقت المخافر، تفكّكت الدولة، وسقط كل شيء. الجميع كان يحارب تحت شعارات: دفاع عن الدين، تحرير فلسطين، حماية الأقليات، محاربة الانعزالية، نصرة العروبة، الدفاع عن لبنان... وبين هذه العناوين، نُسفت البيوت، وامتلأت المقابر، وتغيرت الجغرافيا والديموغرافيا.
ثم جاء النظام السوري، بقواته وشعاراته، فخاض معارك دموية ضد الثورة الفلسطينية وحلفائها. وبدل أن يُطفئ الحرب، أمسك بخناق الدولة وفرض وصايته، بدعم عربي وغطاء دولي، وبقي "حاميًا للبنان" إلى أن جاء من جاء بعده، من وصايات أخرى.
خرج الفتى من تلك المرحلة وهو في السادسة عشرة. لم يُصب جسده، لكن وعيه كان على وشك الانهيار. أيقن أنه كان وقودًا لحرب لا يفهم أسبابها، فبدأ رحلة قراءة وتأمل وسعي للمعرفة، محاولًا أن يكتشف كيف تحوّل الوطن إلى ساحة، وكيف صارت الشعارات الجميلة غطاءً لكل هذا القبح والدمار.
لقد نجا بجسده، لكن عقله لم يعد كما كان. ومن يومها، أخذ على نفسه أن يكون شاهدًا باحثًا، لا مقاتلًا في معركة لا يعرف من يشعلها ولا لماذا.
* مقدمة السلسلة
نقدّم اليوم لقرّائنا الكرام المقال الأول من سلسلة مقالات توثيقية يكتبها الأستاذ رشيد مينا، تتناول الحرب اللبنانية بقراءة تحليلية وإنسانية تستعيد محطّاتها الأساسية وتضيء على تحوّلاتها العميقة.
هذه السلسلة تأتي لتعيد فتح صفحات من تاريخٍ معقّد لا يزال يلقي بظلاله على حاضر لبنان، وتقدّم رواية موثّقة تستند إلى تجربة الكاتب وشهاداته ومتابعته الدقيقة لمجريات تلك المرحلة.
في هذا المقال الافتتاحي، يضع الأستاذ مينا الأساس لفهم السياق الذي سبق اندلاع الحرب، والعوامل التي أسهمت في تفجّرها، تمهيدًا لرحلة سردية تمتد عبر مقالات تُنشر تباعًا.













04/17/2026 - 09:51 AM





Comments