الاعلامية سيلفانا سمعان
في لحظة كان يُفترض أن يبقى داخل جبهته المفتوحة مع روسيا، اختار الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أن يظهر في قلب الشرق الأوسط. من الخارج، تبدو الزيارة سياسية عادية، لكن في العمق، هي إشارة إلى تحوّل أخطر: لم تعد الحروب تُدار فقط على الأرض، بل بدأت تُستثمر خارج حدودها.
فهل ما نشهده تحرّك دبلوماسي لدولة في حالة حرب، أم بداية نموذج جديد تتحوّل فيه الحروب إلى أدوات نفوذ عابرة للجغرافيا؟ للإجابة، يجب قراءة المشهد ككل، لا كخبر منفصل.
منذ اندلاع الحرب الأوكرانية، تحوّلت كييف من متلقية دعم إلى دولة تملك واحدة من أغنى التجارب القتالية المعاصرة، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة والدفاعات غير التقليدية. هذه الخبرة لم تبقَ داخل حدودها، بل تحوّلت إلى عنصر قوة قابل للنقل والتوظيف خارج الجغرافيا الأصلية.
زيارة زيلينسكي إلى الشرق الأوسط تأتي ضمن هذا السياق: نقل المعرفة القتالية من ساحة إلى أخرى، وتحويل التجربة العسكرية إلى ورقة نفوذ سياسية. الدولة التي تتعلم كيف تنجو تحت الضغط، تسعى بطبيعة الحال إلى تحويل هذه المعرفة إلى قوة استراتيجية. وهنا تكمن النقلة الأخطر: لم تعد الحرب مجرد عبء، بل أصبحت موردًا قابلًا للاستخدام.
اختيار الشرق الأوسط لم يكن عشوائيًا. المنطقة تعيش توازنات هشة، وتواجه تحديات غير تقليدية في بنيتها الأمنية، خصوصًا في ظل الصراع المفتوح مع إيران. في بيئة كهذه، لا تكون القيمة في التحالفات التقليدية فقط، بل في امتلاك أدوات فعالة للتعامل مع تهديدات غير متناظرة. أوكرانيا تقدم خبرتها العملية بدل الاصطفاف السياسي، ما يجعل هذه الزيارة أكثر استراتيجية من كونها رمزية.
ولا يمكن فصل هذا التحرك عن الإطار الأوسع الذي يشكّله الناتو. منذ بداية الحرب، اعتمد الحلف مقاربة تقوم على الدعم دون الانخراط المباشر، ما أتاح له التأثير دون تحمّل كلفة المواجهة. اليوم، ومع انتقال الخبرة الأوكرانية إلى خارج أوروبا، تدخل المقاربة مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث يصبح النفوذ قائمًا على المعرفة، لا على القوة العسكرية وحدها.
في المقابل، تجد روسيا نفسها أمام واقع يتجاوز حساباتها الأولية. الصراع الذي سعت إلى احتوائه داخل أوكرانيا بدأ يتسرّب إلى مناطق أخرى، بما فيها الشرق الأوسط، حيث تملك موسكو توازنات دقيقة، خصوصًا عبر علاقاتها مع إيران. هذا التمدد لا يأخذ شكل مواجهة مباشرة، بل ضغطًا غير متكافئ يعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية.
أما إسرائيل، فتقف عند تقاطع حساس. ليست طرفًا مباشرًا، لكنها معنية بنتائجه. كل تحسّن في قدرات مواجهة الطائرات المسيّرة أو إدارة الحروب غير التقليدية لدى خصوم إيران في المنطقة ينعكس مباشرة على توازناتها. هذه ليست تحالفات واضحة، بل تقاطعات مصالح تُفرض بحكم الواقع.
وفي الخلفية، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تعيد تعريف حضورها العالمي. لم تعد بحاجة إلى أن تكون في الواجهة كي تقود؛ اليوم تدير شبكة معقدة من الفاعلين، حيث تتحول دول مثل أوكرانيا إلى ناقل نفوذ بدل أن تبقى متلقية له. هذه ليست سياسة انسحاب، بل إعادة توزيع للأدوار بطريقة أكثر مرونة وأقل كلفة.
كل ذلك يقود إلى تحوّل أعمق من مجرد حركة دبلوماسية: تعريف القوة نفسه يتغير. لم تعد تُقاس فقط بما تمتلكه الدول من عتاد، بل بما تنتجه من خبرة وقدرتها على نقلها إلى ساحات أخرى. هنا الحرب تصبح عملية إنتاج مستمرة، لا حدثًا ينتهي بتوقيع اتفاق.
ما نشهده اليوم ليس توسعًا للحرب، بل تغيّرًا في طبيعتها. الحروب لم تعد جبهات واضحة، ذات أطراف محددة وحدود ثابتة، بل شبكات متداخلة تتحرك فيها الأدوات كما تنتقل الخبرات. أوكرانيا تقاتل في أوروبا، لكنها في الوقت نفسه تؤثر في الشرق الأوسط، وتشارك بشكل غير مباشر في إعادة رسم التوازنات العالمية.
الأهم من ذلك، أن هذا التحوّل يفتح الباب أمام نموذج جديد يمكن وصفه بخصخصة الحرب، حيث لا تكتفي الدول بخوض النزاعات، بل تبدأ بتسويق ما راكمته من خبرة. الحرب تتحول من حدث استثنائي إلى مورد نفوذ، ومن مأساة ظرفية إلى أداة استراتيجية. مع نشوء أسواق أمنية عابرة للحدود، يصبح التنافس ليس على القوة وحدها، بل على جودة التجربة القتالية نفسها، ما يؤدي تدريجيًا إلى انفصال بين من يصنع الحرب ومن يديرها.
بهذا المعنى، زيارة زيلينسكي ليست حدثًا عابرًا، بل إشارة إلى أن العالم يدخل مرحلة أكثر سيولة وتعقيدًا، حيث لم يعد النفوذ يُقاس بالقوة وحدها، بل بتجارة الخبرة.
فهل نحن أمام نموذج جديد تتحوّل فيه الحروب إلى أدوات اقتصادية وسياسية بامتياز؟












04/05/2026 - 10:24 AM





Comments