الدكتور سعيد محمد ابو رحمة
تقدّم مقاربة محمد جواد ظريف في مقاله المنشور في مجلة فورين أفيرز الأمريكية قراءة مختلفة لمسار الحرب بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث لا ينطلق من سؤال كيف ننتصر عسكريًا؟ بل من سؤال أكثر تعقيدًا: كيف يمكن تحويل الصمود إلى مكسب سياسي مستدام؟ هذه النقلة في زاوية النظر تعكس إدراكًا بأن الصراع بلغ مرحلة اللا حسم، وأن أدوات القوة التقليدية استُنفدت إلى حد بعيد دون تحقيق الأهداف الكبرى لأي طرف.
في جوهر طرحه يحاول ظريف تثبيت سردية أن إيران نجحت في تجاوز لحظة الخطر الوجودي، أي إسقاط النظام أو فرض الاستسلام، وهو ما يمنحها بحسب منطقه شرعية الادعاء بأنها حققت حدًا أدنى من النصر الدفاعي. هذه السردية ليست مجرد توصيف، بل أداة تفاوضية؛ إذ تتيح لطهران الدخول في أي مسار سياسي من موقع غير منكسر، بل من موقع الطرف الذي صمد وأفشل أهداف خصومه. في المقابل، يضع الولايات المتحدة وإسرائيل في خانة العجز عن الحسم، ما يخلق، نظريًا، أرضية مشتركة لمعادلة مأزق متبادل يمكن البناء عليها سياسيًا.
لكن اللافت أن ظريف رغم تبنيه خطاب الصمود، لا ينزلق إلى منطق التصعيد، بل يحذر صراحة من تحويل هذا الصمود إلى ذريعة لمواصلة الحرب. هنا تظهر مفارقة أساسية في طرحه: الاعتراف بالقوة، مقرون بالدعوة إلى كبح استخدامها. فهو يدرك أن الاستمرار في المواجهة لن يغير المعادلة جذريًا، بل سيضاعف الكلفة البشرية والاقتصادية، وقد يفتح الباب أمام توسع إقليمي يصعب احتواؤه. بهذا المعنى، يقدّم ظريف نقدًا ضمنيًا للتيارات التي ترى في الرد المستمر استراتيجية بحد ذاتها، ويضع حدودًا واقعية لما يمكن أن تحققه القوة العسكرية في صراع من هذا النوع.
انطلاقًا من ذلك يقترح ظريف إعادة تعريف النصر، بحيث لا يكون مرتبطًا بتدمير الخصم، بل بالقدرة على فرض شروط سياسية بعد الصمود. هذه الفكرة تعكس تحولًا من منطق كسر الإرادات إلى منطق إدارة التوازنات، حيث يصبح الهدف هو تثبيت مكاسب نسبية ومنع الخسائر الكبرى، لا تحقيق انتصار ساحق. ومن هنا تأتي دعوته إلى صفقة شاملة تتضمن تنازلات متبادلة: إيران تقبل بقيود على برنامجها النووي، وتفتح المجال لترتيبات أمنية واقتصادية، مقابل رفع العقوبات وإنهاء الضغوط المفروضة عليها.
غير أن هذه الرؤية رغم تماسكها النظري، تصطدم بعدة تعقيدات. أولها داخلي إذ يشير ظريف نفسه إلى وجود تيار داخل إيران يرى أن الصمود يجب أن يُستثمر في التصعيد لا التهدئة. هذا الانقسام يعكس صراعًا أعمق حول تعريف المصلحة الوطنية: هل تتحقق عبر تثبيت الردع ومواصلة المواجهة، أم عبر تخفيف الضغوط والانخراط في تسوية طويلة الأمد؟ ثانيها خارجي، حيث لا يوجد ما يضمن أن الولايات المتحدة أو إسرائيل مستعدتان لتقديم الثمن الذي تطلبه طهران، خصوصًا في ظل اعتبارات الردع، والضغوط السياسية الداخلية، وحسابات الحلفاء.
إضافة إلى ذلك فإن طرح ظريف يقوم على افتراض إمكانية الانتقال من حالة صراع مفتوح إلى اتفاق شامل يعالج جذور الأزمة، وهو افتراض يصطدم بطبيعة العلاقات المتوترة تاريخيًا بين الأطراف، وبمستوى انعدام الثقة المتراكم. فالاتفاقات الشاملة تتطلب حدًا أدنى من الثقة المتبادلة، أو على الأقل ضمانات قوية، وهو ما يبدو هشًا في ظل استمرار العمليات العسكرية والاغتيالات والتصعيد غير المباشر.
مع ذلك، تكمن أهمية طرح ظريف في أنه يعكس إدراكًا متزايدًا داخل بعض دوائر النخبة الإيرانية بأن الاستمرار في حالة اللاحرب واللاسلم يحمل مخاطر استراتيجية على المدى الطويل، ليس فقط من حيث الكلفة، بل من حيث استنزاف القدرة على التنمية الداخلية. لذلك، يربط ظريف بين إنهاء الحرب وإعادة توجيه الموارد نحو الداخل، معتبرًا أن قوة إيران الحقيقية تكمن في تماسك مجتمعها، وأن الحفاظ على هذا التماسك يتطلب تخفيف الضغوط الاقتصادية وتحسين الأوضاع المعيشية.
فيمكن قراءة مقال ظريف كمحاولة لفتح نافذة سياسية في جدار صراع مغلق، عبر طرح معادلة تقوم على تحويل الصمود إلى ورقة تفاوض، لا إلى منصة تصعيد. إنها دعوة لإعادة تعريف النصر بوصفه نتيجة سياسية لا عسكرية، وللاعتراف بحدود القوة في مواجهة صراعات معقدة ومتعددة المستويات. غير أن نجاح هذه المقاربة يبقى مرهونًا بمدى استعداد الأطراف كافة للانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق تسويته، وهو انتقال يبدو، حتى الآن، أكثر صعوبة من خوض الحرب نفسها.












04/03/2026 - 07:55 AM





Comments