حزب الله ومنظمة التحرير: التاريخ يعيد نفسه بلا رحمة

04/02/2026 - 08:58 AM

A

 

 

شبل الزغبي *

بنى حزب الله دولةً داخل الدولة بمنهجية باردة ومدروسة: مصارف تحت اسم “القرض الحسن”، شبكة “محطات الأمانة” الوقود والخدمات، منظومات عسكرية وأمنية وقضائية موازية، وولاء أعمى لطهران لا لبيروت. دولةٌ كاملة بكل مقوماتها، مزروعةٌ في جسد لبنان كورمٍ خبيث. وها هي إسرائيل اليوم تجرف هذا الصرح حجراً حجراً.

التاريخ لا يرحم الذاكرة القصيرة.

عام ١٩٨٢، دخلت إسرائيل لبنان وطردت ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية التي بنت هي الأخرى دولةً داخل الدولة، بسلاحها وبنيتها التحتية وإمبراطوريتها المالية، إلى أن باتت تهدد السيادة اللبنانية من الداخل قبل أن تهدد إسرائيل من الخارج. لم تتوانَ إسرائيل لحظةً في تفكيك هذا المشروع بالقوة المباشرة، وأُرغم عرفات على مغادرة بيروت إلى المنفى التونسي البعيد.

وهنا يطرح بعضهم سؤالاً مشروعاً: إذا كانت إسرائيل تريد جعل لبنان وطناً بديلاً للفلسطينيين، فلماذا طردت عرفات عام ١٩٨٢؟ الجواب أوضح مما يُظن. إسرائيل لم تجتاح لبنان لتوطين الفلسطينيين فيه، بل لأنها لا تقبل أن يكون لبنان قاعدةً عسكرية يُشن منها الحرب على وجودها. لا فرق عندها بين جيش عرفات ومنظومة نصرالله؛ في الحالتين خطرٌ وجودي يُزال.

المنطق الإسرائيلي ثابتٌ لم يتغير: أي جهةٍ تبني دولةً مسلحة موازية على حدودها وتُعلن الحرب على شرعية وجودها، ستُطحن عسكرياً حتى تُجثّ من الجذور. عرفات فهم الدرس متأخراً. حزب الله كان يعرفه ولم يكترث.

والفارق الجوهري اليوم أن حزب الله ليس مجرد منظمة مسلحة كالمنظمة الفلسطينية، بل هو ذراعٌ عقائدية لدولةٍ إقليمية هي إيران. ما يتهاوى اليوم في الضاحية وجنوب لبنان والبقاع ليس مجرد بنية تحتية، بل المشروع الخميني بالكامل على الأرض اللبنانية. ولهذا يكون الاجتثاث هذه المرة أعمق وأشد.

إيديولوجيا حزب الله لا يمكنها الاستمرار في لبنان لأنها ليست لبنانية في الأصل. هي مُستوردةٌ من طهران ومزروعةٌ بالقوة. وما زُرع بالإكراه لا يصمد حين تُزال قوةُ الإكراه عنه.

مصير عرفات كان المنفى. ومصير حزب الله سيكون الأشد قسوةً، لأن هذه المرة لا سفينةٌ تنتظر في الميناء.​​​​​​​​​​​​​​​​

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment