حين يفقد الطريق معناه

04/02/2026 - 02:06 AM

Arab American Target

 

 

د. فهيم الشايع *

لم يكن الإنسان في أي مرحلة من تاريخه كائناً بلا غاية، منذ أن رفع عينيه نحو السماء محاولاً فهم موضعه في هذا الكون، ولدت داخله حاجة عميقة لأن يحدد اتجاهاً، أن يمنح وجوده معنى يتجاوز البقاء، غير أن ما تغيّر ليس وجود الأهداف، بل طبيعتها: من كونها امتداداً للسؤال الوجودي، إلى كونها – أحياناً- استجابة غير واعية لضغط خفيّ يتخذ أشكالًا متعددة، حتى تحولت هذه الاستجابة، إلى اتباع من غير وعي ولا إرادة، هنا تبرز المعضلة الأهم، إلى أين؟

في الفلسفات القديمة، لم تكن الغاية منفصلة عن فكرة "الحياة الجيدة" فعند أرسطو الإنسان لا يسعى إلى أهداف متفرقة بقدر ما يتحرك نحو غاية عليا، سماها "الخير الأسمى" حيث تتحقق حالة من الاتساق الداخلي، لم يكن الإنجاز في ذاته هو القيمة، بل انسجام الإنسان مع طبيعته، ومع التحولات الحديثة، بدأ هذا التصور يتغير، أصبح الهدف أكثر ارتباطًا بالإنتاج، والإنجاز، والتقدم الخطي، ومع صعود الفكر الفردي، كما عند فريدريك نيتشه، تحوّل السؤال من "ما الذي ينبغي أن أكونه؟" إلى "ما الذي أستطيع أن أفرضه كمعنى في عالم بلا معنى جاهز؟" هنا لم تعد الأهداف مجرد وجهات، بل أصبحت تعبيرًا عن إرادة، وأحيانًا عن صراع، فما ما نعدّه اليوم طموحًا شخصيًا، ليس سوى تقاطع معقّد بين ما يُراد لنا أن نكونه، وما نظن أننا اخترناه بحرية؛ فبين بنى خفية تُشكّل رغباتنا - كما أشار ميشيل فوكو- وأسباب داخلية تدفعنا دون وعي كامل بها - كما يرى باروخ سبينوزا- يقف الإنسان في منطقة ملتبسة، يخلط فيها بين الإرادة والتأثر، وبين الاختيار والتشكيل.

لكن في هذا التحول، تسلل شيء آخر: القلق، لم يعد الإنسان يسأل فقط عن معنى وجوده، بل عن كفايته، وعن موقعه، وعن سرعته مقارنة بالآخرين، وهكذا، لم تعد الأهداف دائماً نابعة من الداخل، بل صارت تتشكل في مساحة ملتبسة بين الرغبة والضغط، قد يظن الإنسان أنه يسير نحو ذاته، بينما هو في الحقيقة يبتعد عنها، دون أن يشعر.

هذا الالتباس يفسر ذلك الشعور الغريب الذي يرافق الكثيرين: أنهم يمضون قدماً، لكن بثقل، يحققون، لكن دون امتلاء، كأن الطريق، بدل أن يكون امتدادًا لهم، أصبح عبئاً يحملونه، هنا يظهر التحول الحاسم: حين يفقد الهدف صفته كأفق للمعنى، ويتحوّل إلى معيار للقياس، عندها، لا يعود السؤال لماذا أريد؟ بل كم أنجزت؟

ومع هذا التحول، تصبح العلاقة مع الزمن متوترة، الحاضر يفقد قيمته، لأنه يُختزل إلى مجرد مرحلة انتقالية نحو شيء آخر، كل لحظة تُقاس بما بعدها، لا بما فيها، وهكذا، تتأجل الطمأنينة، ويُعاد تعريف السعادة كحالة مؤجلة، مشروطة ببلوغ نقطة لا تستقر، وهنا، ربما، تستدعي الحاجة إلى وقفة لا بوصفها تراجعًا، بل بوصفها استعادة.

فالأيام لا تُستنسخ، كل يوم يمر ليس نسخة من سابقه، بل كيان فريد، يحمل احتماله الخاص، ومعناه الذي لا يتكرر، أن تعيش يومك لا يعني أن تستهلكه كوسيلة لما بعده، بل أن تمكث فيه، أن تنظر إليه بوصفه غاية مؤقتة في ذاته، أن تُبطئ قليلًا، لا لتتخلى عن السعي، بل لتستعيد حضورك داخله، فالحياة التي تُعاش فقط كجسر، غالبًا ما تفقد معنى الوصول.

غير أن هذا التصور لم يكن دائمًا سائدًا، في تقاليد فلسفية أخرى، خاصة في الرواقية كما نجدها عند سينيكا، لم تكن الحياة تقاس بكمية ما نحقق، بل بقدرتنا على التماهي مع ما هو كائن، لم تكن السعادة نتيجة تُنتزع من العالم، بل موقفاً داخلياً من العالم، بهذا المعنى، لا تصبح الأهداف ملغاة، لكنها تفقد طابعها القهري، تُصبح وسيلة، لا مقياسًا للوجود.

وفي مكان ما بين هذين التصورين—السعي المحموم نحو إنجاز لا ينتهي، والانسحاب الكامل نحو الاكتفاء— يقف الإنسان المعاصر متردداً، لا يستطيع التخلي عن أهدافه، ولا ينجح في التصالح معها، يربطها أحياناً باعتراف الآخرين، وأحياناً بصورة مثالية عن ذاته، وفي الحالتين، تظل المسافة قائمة بين ما هو عليه وما يظن أنه يجب أن يكونه.

أما الكمال، ذلك المفهوم الذي يتسلل بهدوء إلى كل مشروع إنساني، فهو ربما أكثر الأوهام إقناعًا، ليس لأنه قابل للتحقق، بل لأنه دائمًا يبدو قريبًا بما يكفي لنطارده، وبعيدًا بما يكفي ليفلت منا، وفي هذا السعي، يتحول الإنسان إلى كائن يؤجل رضاه باستمرار، وكأن النقص خطأ يجب إصلاحه، لا شرطًا أصيلًا للوجود، ولا أعتقد أن الكمال يُبال بحثاً، بقدر ما يُخلق صنعاً.

لذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: إلى أين نمضي؟ بل: بأي وعي نمضي؟ هل الأهداف التي نحملها تعبّر عنا، أم أننا نحملها فقط لأننا لا نعرف كيف نكون دونها؟ وهل الطريق الذي نسير فيه يكشفنا على ذواتنا، أم يستهلكنا ونحن نحاول اللحاق بصورة لم نخترها بالكامل؟

ليس من الحكمة التخلي عن السعي، بل تكمن الحكمة في استعادته إلى مكانه الطبيعي: كفعل إنساني، لا كعبء وجودي، أن نسعى، نعم، لكن دون أن نختزل أنفسنا فيما نسعى إليه، أن نتحرك، دون أن نفقد القدرة على الحضور، وأن نتذكر، وسط كل هذا الركض، أن أخطر ما في الطريق ليس أن تضلّه، بل أن تمضي فيه بثقة....

حتى تصل، ثم تكتشف أن الذي وصل ليس أنت.

* خبير قانوني 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment