لبنان عند مفترق التحولات: بين واقع الحرب وإعادة تشكّل الدولة

04/01/2026 - 10:52 AM

A

 

 

فاروق غانم خداج * 

لم يعد السؤال الذي يواجه لبنان اليوم نظريًا أو افتراضيًا؛ بل صار واقعًا ميدانيًا يتشكّل تحت وقع الحرب المتصاعدة في الإقليم، والتي طالت ارتداداتها الداخل اللبناني بشكل مباشر، مع تصاعد المواجهة بين إسرائيل وإيران، وانخراط لبنان فيها بصورة غير مباشرة ثم مباشرة عبر الجبهة الجنوبية، وصولًا إلى استهدافات طالت مناطق في العاصمة بيروت. في هذا السياق، لم يعد لبنان مجرد ساحة بعيدة عن مركز الحدث، بل صار جزءًا من معادلاته، يتأثر بها ويؤثر فيها في آنٍ معًا.

إن التطورات المتسارعة لم تعد تُقرأ ضمن منطق إدارة أزمات تقليدية، بل في إطار إعادة رسم خرائط النفوذ والتوازنات في المنطقة. ومع انخراط أطراف إقليمية ودولية متعددة، بات لبنان يقع في نقطة تقاطع حساسة، حيث تتداخل الحسابات العسكرية والسياسية، وتنعكس نتائجها مباشرة على بنيته الداخلية الهشة أصلًا.

في هذا المشهد، لم يعد لبنان مجرد متلقٍ للتداعيات، بل صار ساحة اختبار حيّة لمدى قدرة التفاهمات الإقليمية على فرض استقرار فعلي. فالتصعيد العسكري الذي طال الجنوب، وامتدّ في بعض مراحله إلى محيط بيروت، كشف هشاشة التوازنات الداخلية، وأعاد طرح سؤال جوهري: هل يمكن للدولة اللبنانية أن تحافظ على تماسكها في ظل حرب مفتوحة أو شبه مفتوحة تُدار على أطرافها؟

تاريخيًا، لم يكن لبنان دولة مكتفية بذاتها بالمعنى التقليدي، بل كيانًا يقوم على توازنات دقيقة داخلية، تتقاطع فيها اعتبارات طائفية وسياسية، وغالبًا ما كانت هذه التوازنات مرتبطة بهوامش إقليمية ودولية. ومع كل اهتزاز كبير في المنطقة، يظهر مدى هشاشة هذا النموذج، ومدى ارتباط استقراره بعوامل خارجية لا يملك السيطرة الكاملة عليها.

في ضوء هذه التحولات، تتوزع احتمالات مستقبل لبنان على ثلاثة مسارات رئيسية، ليست نبوءات حتمية، بل أطر تحليلية لفهم الاتجاهات الممكنة:

المسار الأول: الانهيار المُدار

في هذا السيناريو، لا تنهار الدولة بشكل مفاجئ، بل تتآكل تدريجيًا وظائفها الأساسية. تبقى المؤسسات قائمة شكليًا، لكن قدرتها الفعلية على اتخاذ القرار تتراجع لصالح قوى متعددة داخلية وخارجية. ومع استمرار الضغط الناتج عن الحرب، يتراجع دور الدولة في ضبط الأمن والخدمات، ما يؤدي إلى فقدان الثقة العامة وتحوّلها إلى إطار رمزي أكثر منه فاعلًا.

المسار الثاني: الاستقرار المشروط

يفترض هذا المسار حصول تهدئة إقليمية نتيجة تفاهمات أوسع بين القوى المؤثرة، تنعكس على لبنان عبر تخفيف حدة التصعيد. غير أن هذا الاستقرار، حتى إن تحقق، يبقى هشًا لأنه غير ناتج عن إصلاح داخلي بنيوي، بل عن توازن خارجي يفرض نفسه على الداخل. في هذه الحالة، تستعيد الدولة بعض وظائفها، دون أن تتمكن من معالجة جذور أزماتها العميقة.

المسار الثالث: الانقسام الصامت

وهو مسار يتسم بتعقيد خاص، حيث لا يحدث انهيار شامل ولا استقرار واضح، بل تتعدد مراكز النفوذ بشكل غير معلن. ومع استمرار الضغوط الأمنية والاقتصادية، تتعزز الخصوصيات المحلية، وتتشكل وقائع ميدانية وخدماتية شبه مستقلة في بعض المناطق، ما يؤدي تدريجيًا إلى تآكل مفهوم الدولة الواحدة، دون إعلان رسمي لأي تقسيم.

التمييز بين هذه المسارات لا يقوم فقط على الشكل، بل على طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. ففي الانهيار المُدار، تبقى الدولة موجودة لكنها فارغة من مضمونها. وفي الاستقرار المشروط، تستعيد جزءًا من دورها لكنها تبقى مرهونة بالخارج. أما في الانقسام الصامت، فتتراجع الدولة لصالح وقائع محلية تتقدم لتملأ الفراغ.

ما يجعل لبنان في هذه المرحلة حالة خاصة، أنه لم يعد مجرد ساحة لتصفية الحسابات، بل أصبح جزءًا من معادلة إقليمية أوسع تتقاطع فيها مصالح إيران وإسرائيل، وتنعكس نتائجها ميدانيًا على الأرض اللبنانية، خصوصًا في الجنوب وعلى أطراف العاصمة بيروت. وهذا ما يحوّل كل تسوية محتملة في الإقليم إلى اختبار مباشر لقدرة لبنان على استيعابها داخليًا.

في هذا الإطار، يشكّل الجنوب اللبناني مؤشرًا أساسيًا لفهم اتجاهات المرحلة. فطبيعة الترتيبات الأمنية هناك، وحدود التصعيد أو التهدئة، ستعكس بشكل مباشر أي المسارات الثلاثة يقترب من التحقق. استمرار العمليات العسكرية على الحدود، أو توسّع نطاقها، يعزّز فرضية الانهيار المُدار أو الانقسام الصامت، بينما أي تثبيت فعلي لوقف إطلاق النار ضمن إطار سيادي واضح قد يفتح الباب أمام استقرار مشروط.

ولا يمكن إغفال المؤشرات الداخلية التي تلعب دورًا في توجيه المسار، مثل الاستحقاقات السياسية المؤجلة، وضعف المؤسسات، والقدرة المحدودة على اتخاذ قرارات سيادية جامعة. كما أن الموقف الدولي والإقليمي من لبنان، لا سيما في ظل الحرب، يساهم في رسم حدود الممكن سياسيًا وأمنيًا.

في المقابل، يبرز عامل المجتمع، وخصوصًا فئة الشباب، كعنصر متغير على المدى المتوسط. فهذه الفئة تميل بشكل متزايد إلى تجاوز الاصطفافات التقليدية، والبحث عن نموذج دولة قائم على الكفاءة والعدالة والفعالية. ورغم أن تأثيرها لا يظهر بشكل فوري، إلا أنه قد يشكل ضغطًا تدريجيًا لإعادة تشكيل الحياة السياسية إذا توافرت الظروف المناسبة.

إن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب اليقين، حيث تتداخل الاحتمالات وتتقاطع العوامل الداخلية مع المعطيات الخارجية. المشهد لا يسير في اتجاه خطي واضح، بل يتأرجح بين مسارات متعددة، تجعل من أي قراءة للمستقبل أقرب إلى تحليل اتجاهات منه إلى حسم نهائي.

لكن الثابت أن لبنان لم يعد كما كان قبل هذه المرحلة. فالتوازنات التي حكمت بنيته لعقود باتت تحت اختبار قاسٍ بفعل الحرب والتحولات الإقليمية. ومن هنا، لم يعد السؤال الحقيقي يتعلق بإمكانية العودة إلى الماضي، بل بقدرة اللبنانيين على التكيّف مع واقع جديد، يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومكوناتها، وبين الداخل والخارج.

وفي ظل هذا الغموض، يبقى التحدي الأكبر هو القدرة على تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء نموذج دولة أكثر توازنًا وواقعية، دون أن تفقد هويتها أو دورها في محيطها. لكن السؤال الذي سيبقى مفتوحًا: هل يمتلك اللبنانيون، وخصوصًا نخبهم السياسية، الجرأة على هذه الولادة

الجديدة، أم أنهم سيظلون رهائن “وهم العودة” حتى يتحول الانقسام الصامت إلى واقع لا رجعة فيه؟

 

* كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment