حملة لبنان المزعومة ضد "حزب الله": مسرحية بلا أنياب

03/30/2026 - 13:56 PM

Prestige Jewelry

 

 

بقلم: شربل عبد الله أنطون

لقد أقدمت الحكومة اللبنانية مؤخراً على خطوة كانت لتُعدّ ضرباً من المستحيل قبل عام واحد فقط؛ فقد فرض مجلس الوزراء حظراً شاملاً على الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، وأصدر أوامره للقوات المسلحة اللبنانية بوقف عمليات إطلاق الصواريخ وغيرها من الهجمات المنطلقة من الأراضي اللبنانية.

وبعد مرور أيام قليلة، أصدر وزير العدل عادل نصار توجيهاته إلى المدعي العام للمباشرة في إجراءات الملاحقة — بما في ذلك توقيف الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم — وذلك بتهمة انتهاك القرارات الحكومية والتحريض على الفتنة.

ويرى البعض في هذه الخطوات "نقطة تحول"؛ أما أنا فلا أرى ذلك. فهذه الإجراءات رمزية لا بنيوية أو جوهرية؛ وما دامت الإمبراطورية المالية الإجرامية العالمية لحزب الله قائمة وسليمة، فإن لبنان لن يدخل — كما يزعم البعض — في "مرحلة ما بعد حزب الله". كما أن الحكومة لم تتخذ بعد الخطوة الأساسية الأولى المتاحة أمامها، ألا وهي الحلّ الرسمي لحزب الله بصفته كياناً سياسياً؛ وهو التنظيم الذي لم يتقدم قط — خلافاً لجميع الأحزاب الأخرى في البلاد — بطلب للحصول على الاعتراف القانوني بموجب القوانين اللبنانية. فنحن نشهد مجرد "مسرح سياسي" في أحسن الأحوال؛ وفي أسوئها، نحن نخلط بين "الإيماءات الرمزية" وبين "ممارسة الحكم الفعلي".

إن الطابع الرمزي لهذه الخطوات جريء بلا شك؛ فللمرة الأولى، يُعلن مجلس وزراء لبناني رسمياً أن عمليات "المقاومة" التي ينفذها "حزب الله" تُعد انتهاكاً للسيادة الوطنية؛ وهو إعلان جاء على خلفية الصواريخ التي أُطلقت باتجاه إسرائيل "دعماً" لإيران خلال الصراع الذي اندلع قبل اثني عشر يوماً. غير أن الرمزية شيء، والإنفاذ الفعلي شيء آخر؛ فالملاحقة القضائية بحد ذاتها تتطلب موافقة مجلس الوزراء، وهو المجلس الذي لا يزال "حزب الله" وحلفاؤه يتمتعون فيه بنفوذ حاسم.

علاوة على ذلك، وحتى لو صادق مجلس الوزراء على هذه الإجراءات، فإن الدولة اللبنانية تفتقر إلى القدرة اللازمة لفرض تطبيقها. فحزب الله يقود فصيلاً عسكرياً ضخماً ومحنكاً في المعارك، ويمتلك قوة نارية متفوقة في مناطق أساسية، ويسيطر على أراضٍ استراتيجية تمتد من الضاحية الجنوبية لبيروت وصولاً إلى الحدود الجنوبية وسهل البقاع. وبالتالي، لا يمكن للدولة أن تفرض إرادتها على جماعة تتفوق عليها عسكرياً، وتسبقها في المناورات، وتمتلك "حق النقض" (الفيتو) من خلال التلويح بتهديد إثارة القلاقل والاضطرابات الداخلية.

لقد مرّ لبنان بهذا المشهد من قبل. فقرار مجلس الأمن 1701 بعد حرب 2006، وسياسة "النأي بالنفس"، وسلسلة طويلة من الاتفاقات الداخلية انهارت جميعها للسبب نفسه: الدولة اللبنانية لا تحتكر استخدام القوة، و"حزب الله" يحتفظ بقدرته على عرقلة أو إلغاء أي قرار لا يروق له. كان رد فعل نعيم قاسم متوقعًا: فقد اتهم الحكومة بــ "العمالة لإسرائيل" وتعهد بالتحدي. وبدون تفكيك البنية المالية والتنظيمية لحزب الله، تبقى هذه الحملة المزعومة مجرد استعراض بلا قوة.

لفهم سبب قصور هذه الإجراءات، علينا أن نكون صادقين بشأن حقيقة "حزب الله". فهو ليس مجرد ميليشيا تابعة لإيران، بل هو مؤسسة متكاملة رأسيًا: حزب سياسي، وجهاز استخبارات، وشبكة رعاية اجتماعية، ومنظمة إجرامية عالمية تعمل تحت قيادة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإسلامي. الإيراني.

 

لسنوات طويلة ضخت طهران أكثر من مليار دولار سنويًا إلى "حزب الله". ومع تدهور الاقتصاد الإيراني، سدّت الإيرادات غير المشروعة الفجوة. في عام ٢٠١٨، أدرجت وزارة العدل الأميركية "حزب الله" ضمن أبرز المنظمات الإجرامية العابرة للحدود في العالم، إلى جانب كبرى عصابات المخدرات.

يدير جهاز الشؤون التجارية لحزب الله عمليات تهريب الكوكايين من أميركا اللاتينية، وشبكات غسيل الأموال في غرب أفريقيا وأوروبا، وتهريب السجائر، وعمليات التزوير. وتُموّل واجهات مثل "القرض الحسن" وغيرها من الشركات رواتب الموظفين، ومشتريات الأسلحة، وشبكات المحسوبية والزبائنية، حتى في ظل انهيار الاقتصاد اللبناني. لا يمكن للبنان نزع سلاح "حزب الله" ما دامت هذه الإمبراطورية قائمة. إن محاكمة نعيم قاسم بتهمة "التحريض" بينما تُغسل مليارات الدولارات عبر شبكاته أشبه باعتقال موظف بنك وترك الخزنة مفتوحة على مصراعيها.

إن تفكيك "حزب الله" ليس مجرد إعلان، بل هو عملية تتطلب تنسيقًا بين بيروت وواشنطن.

يجب على الحكومة اللبنانية تنفيذ خطة "درع الوطن" وتمكين الجيش اللبناني من مصادرة الأسلحة وتفكيكها بشفافية. كما يجب استهداف الاقتصاد النقدي بإغلاق المؤسسات المالية المرتبطة بحزب الله، مثل مؤسسة القرض الحسن، وإخضاع المؤسسات غير الشفافة - ولا سيما مجلس الجنوب - لرقابة صارمة على التدقيق ومكافحة الفساد.

وينبغي تصنيف "حزب الله" محلياً كمنظمة إجرامية عابرة للحدود، ما يتيح تجميد الأصول المرتبطة بتجارة المخدرات والتهريب وغسل الأموال. ويتحتم عل الحكومة توفير مخارج للمجتمع الشيعي، وذلك من خلال ربط قروض إعادة الإعمار بمعايير محددة لنزع السلاح. وكذلك التفاوض بشأن ضمانات أمن الحدود مع إسرائيل.

أما بالنسبة لإدارة ترامب، فإن الأولوية تتمثل في توجيه "الضربة المالية القاضية": وذلك عبر توسيع نطاق تصنيف "المنظمات الإجرامية العابرة للحدود الوطنية"، وفرض عقوبات ثانوية على شبكات "حزب الله" العالمية، لا سيما في أميركا اللاتينية وأفريقيا. وينبغي على واشنطن استغلال ورقة المساعدات بالضغط، من خلال جعل دعمها للجيش اللبناني مشروطاً بإحراز تقدم ملموس، وتعليق تلك المساعدات في حال تعثر تحقيق المعايير المقررة. كما ينبغي عليها ممارسة ضغوط عسكرية من خلال دمج عملية "إضعاف حزب الله" ضمن نطاق عملية "الغضب الملحمي" (Epic Fury)، واستهداف تدفقات الأسلحة التابعة للحرس الثوري الإيراني، وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع إسرائيل والجيش اللبناني. وعليها أيضاً تنسيق الجهود الدبلوماسية عبر حشد الاتحاد الأوروبي ودول الخليج لدعم نظام العقوبات وحوافز إعادة الإعمار.

لقد قدمت الاحداث الراهنة في إيران فرصة نادرة. إذ بات شريان الحياة الذي يغذي "حزب الله" يوشك على الانقطاع. غير أن الحلول النصفية تنطوي على خطر دفع الحزب إلى التواري في الظل، مما يجعله أكثر سرّية وأشد خطورة. وتُقر القرارات اللبنانية الأخيرة بحقيقة طالما تم إنكارها، وهي أن حروب "حزب الله" الأحادية الجانب تنتهك السيادة الوطنية، وقد جرت لبنان إلى صراعات لم يخترها بنفسه. ولكن ما لم يتم تفكيك "اقتصاد الحرب" الخاص بـ "حزب الله" فإنه سيتكيف مع الوضع، ويعيد تسليح نفسه، ويواصل جر لبنان إلى داخل المواجهات الإقليمية الإيرانية.

إن استراتيجية تقودها الولايات المتحدة بالتعاون الجدّي من المؤسسات اللبنانية، استراتيجية لا تكتفي بالتعامل مع "حزب الله" باعتباره مجرد منظمة إرهابية، بل تنظر إليه أيضاً كمنظمة إجرامية عابرة للحدود — وكذراع للدولة الإيرانية — هي المسار الوحيد لاستعادة السيادة اللبنانية. وإلى أن يتحقق ذلك، فإن طلب نصار بتوقيف قاسم وسواه لا يعدو كونه مجرد ضجيج إعلامي، وليس تحولاً حقيقياً.

إن لبنان يستحق ما هو أكثر من مجرد لفتات رمزية؛ فهو يستحق دولة قادرة على الدفاع عن حدودها، ومؤسساتها، ومستقبلها. وهذا الأمر يتطلب تفكيك الإمبراطورية التي تُديم سلطة "حزب الله"، وليس الاكتفاء بالتصفيق لقرارات رمزية تترك أسس هذه الإمبراطورية دون مساس.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment