بيار أ. مارون *
ما يتآكل اليوم في إيران ليس قدرتها على إلحاق الأذى بخصومها، بل القدرة على تحويل هذا الأذى إلى مكسب سياسي قابل للاستمرار — وهي القدرة التي شكّلت جوهر المعادلة الإيرانية لعقود. فالمعضلة لم تعد في امتلاك أدوات الردع، بل في اتساع الهوّة بين خطاب ثوري يواصل التحدث بلغة القوة، وواقع سياسي واقتصادي وعسكري يضيّق هامش الحركة ويكشف حدود هذا الخطاب. هنا تتبدّى الصيغة المنكسرة التي تحكم سلوك طهران في هذه المرحلة.
كشفت أزمة مضيق هرمز هذا التناقض بوضوح. فإيران لا تزال قادرة على التعطيل ورفع الكلفة، لكنها تبدو أقل قدرة على تحويل هذا التعطيل إلى مكاسب سياسية مستقرة. المقترح الأميركي المؤلف من 15 بندًا، وما قابله من مطالب إيرانية قصوى تتعلق بالمضيق والتعويضات والضمانات، أظهرا حجم الفجوة بين خطاب مرتفع السقف وواقع تتراجع فيه الخيارات العملية. أما السماح بعبور محدود لـ“سفن غير معادية”، فيكشف التناقض نفسه: خطاب مواجهة وسلوك احتواء الكلفة في آن واحد.
غير أن هذا المأزق لا يتشكّل من داخل إيران وحدها. فالضغط الواقع عليها ليس مجرد نتيجة تراكم أزمات، بل ثمرة تداخل بين تصعيد عسكري إسرائيلي، وضغط اقتصادي أميركي، ومحاولة غربية لبناء مظلة سياسية وأمنية أوسع حول أمن الملاحة والطاقة. وبذلك، يصبح الضغط الخارجي جزءًا من تفكك الصيغة نفسها: كلما ارتفع الضغط، انكشف ضعف قدرة طهران على تحويل التصعيد إلى نفوذ قابل للاستثمار.
لطالما كان مضيق هرمز إحدى أكثر أدوات النفوذ الإيراني فعالية. لكن هذه الورقة تفقد قيمتها تدريجيًا. فتعطيل الممر الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز عالميًا لا يزال يربك الأسواق، لكنه بات أيضًا مبرّرًا لتشديد العقوبات وتوسيع العزلة. ما كان أداة ضغط يتحوّل إلى عبء استراتيجي.
اقتصاديًا، تدخل إيران هذه المرحلة وهي مثقلة بعملة تراجعت إلى مستويات قياسية، وتضخم يفوق 40%، واعتماد كبير على السوق الصينية مع خصومات لافتة. كما يبقى جزء واسع من النفط “على الماء” ضمن أسطول الظل، بما يلتهم العائدات الفعلية. ورغم براعة طهران في الالتفاف على العقوبات، فإن هذه المناورات أصبحت مكلفة: هوامش ربح متدنية، أعباء لوجستية مرتفعة، وقدرة محدودة على تمويل الحلفاء أو امتصاص السخط الداخلي. ولا تبدو موسكو أو بكين مستعدتين لتغيير هذه المعادلة.
الأنظمة الأيديولوجية قادرة على الصمود، لكن الصمود شيء واستعادة التوازن شيء آخر. ما نشهده ليس انهيار الدولة الإيرانية، بل تآكل الصيغة التي سمحت للنظام لعقود بالجمع بين الخطاب الثوري والتمدد الإقليمي بكلفة داخلية محتملة. هذه الصيغة لم تعد تعمل كما كانت.
ومع ذلك، يبقى من الخطأ التعامل مع هذا التآكل وكأنه مسار خطي أو نهائي. فالأنظمة العقائدية قد تطيل عمر أزماتها عبر مزيد من القمع، وإعادة ترتيب الأولويات، والانكماش على الداخل من دون التخلي الفوري عن خطابها. وقد لا يكون الاحتمال الأرجح هو الانهيار، بل التحول إلى نظام أكثر أمنية وأقل قدرة على الادعاء بأنه ما زال يملك مشروعًا توسعيًا متماسكًا. وهذا لا ينقض الحجة الأساسية، بل يوضحها: الصيغة قد تبقى شكليًا، لكنها تفقد مضمونها تدريجيًا.
وفي لبنان، حزب الله — الذراع الأكثر فاعلية لإيران لعقود — بات منشغلًا بإدارة الخسائر وحماية قاعدته أكثر من إظهار قوة إقليمية. هذا الواقع شجّع حكومة الرئيس نواف سلام على اتخاذ خطوات غير مسبوقة، من تجريم الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب والدفع نحو حصر السلاح بيد الدولة، إلى قرار إبعاد السفير الإيراني عن بيروت. وقد رفضت طهران الانصياع لهذا القرار، ما كشف حدود قدرتها على فرض إرادتها في لحظة يتراجع فيها نفوذها. أما الضغوط الإيرانية لخفض الخسائر والسعي إلى تهدئة، فتكشف كيف يدفع ضعف المركز وكلاءه إلى إعادة حساباتهم.
في العراق، يتخذ التحول شكلًا مختلفًا. فمع تراجع قدرة طهران على تقديم المال والحماية، بدأت فصائل شيعية بإعادة تموضع هادئ نحو حسابات أكثر ارتباطًا بالدولة. وكثير مما بدا تماسكًا عقائديًا كان في جوهره ترتيبًا مصلحيًا، وهذا يظهر بوضوح حين يضعف المموّل وتتعقّد كلفة الارتباط بالمركز الإيراني.
إقليميًا، تراجع النفوذ الإيراني لا يعني استقرارًا تلقائيًا. فالفراغات لا تُملأ بسلاسة، وبعض الساحات مرشحة لسيولة خطرة. لكن الاتجاه العام واضح: كلما ضعفت قدرة طهران على التمويل وإدارة الوكلاء واستخدام ورقة هرمز، تراجعت قدرتها على تقديم نفسها كقوة إقليمية بديلة. ونجاح هذه المرحلة مرهون بقدرة القوى الإقليمية والدولية على ملء هذا الفراغ بما يمنع الفوضى، لا بما يعمّقها.
الخسارة الإيرانية المرجّحة قد لا تأتي على شكل هزيمة عسكرية صاخبة أو استسلام رسمي. ستظهر على الأرجح في تآكل السردية التي قامت عليها المنظومة: الاعتقاد بأن الجمهورية الإسلامية قادرة، في وقت واحد، على الحفاظ على خطابها الثوري، وتمويل نفوذها الإقليمي، وردع خصومها، وامتصاص الكلفة داخليًا من دون أن يختل توازنها. ما يتآكل اليوم ليس النفوذ فقط، بل قابلية هذه المعادلة للاستمرار.
قد ينجو النظام، وقد يطيل عمره بالقوة والانكماش وإعادة التموضع. لكن إذا خرج من هذه المرحلة أقل قدرة على التمدد، وأشد انشغالًا بالبقاء، وأفقر في أدوات الردع والتمويل، فذلك يعني أن المشروع الذي طاردته إيران لنحو نصف قرن لن يكون قد سقط دفعة واحدة، بل يكون قد دخل مرحلة التراجع التاريخي الفعلي — مرحلة يتراجع فيها الوعد الذي قامت عليه الجمهورية الإسلامية: أن تجمع في آن واحد بين الثورة والدولة، وبين الردع والتمدّد، وبين الكلفة الداخلية والطموح الخارجي.
* محلل استراتيجي











03/30/2026 - 13:49 PM





Comments