قلوب بيضاء في الزمن الصعب

03/30/2026 - 03:38 AM

Bt adv

 

 

 

ضياء محن الاسدي

اقتحمت أمرأه ثلاثينية من العمر باب دار الأطباء المقيمين بعصبية ونبرة حادة لتضع طفلا رضيعا يلتحف قطعة من القماش يكاد أن لا يُرى بان على وجهه الشحوب والضعف مولودا حديثا بين يدي عاملة النظافة المكلفة بتنظيف الدار خذي حفيدك هذا ليس لي حاجة به ولا بولدك خرجت مسرعة تاركة وراءها دهشة وصمت رهيب نزل كالصاعة على الجدة والطبيبة التي كانت بجوارها ترقب بنظرتها الدموع التي بدأت تتساقط من عين الجدة ويدها المرتجفة التي كادت أن تُسقط الطفل من يدها توجهت تلقاء الطبيبة وهي حائرة بفؤاد فارغ.

كلمات تجمدت بين شفتيها مدت الطبيبة كفها لأحتضان الرضيع بحنان سلمت الجدة الطفل مستسلمة بكل هدوء ليد طالما عرفتها بالطيبة وكرم الخلق والقلب الرؤوف عرفتها لسنين طوال في وسط زملائها من الأطباء وصاحبة مواقف جميلة التي زرعت الكثير منها في نفوس الآخرين كانت تعد من النوادر في زمن طغت عليه قسوة المشاعر وحب المادة والسلطة والجحود والنكران طبيبة تحمل قلبا مزيج من المحبة والحنان للمقربين مشهودا لها بالعلم والمعرفة والأخلاق النادرة يشهد لها القاصي والداني والمواقفف الحميدة تكاد لا تفارقها في مسيرتها المهنية وهي جوهرة في وسط ندرت فيه النفائس وزحمة تراجع الأخلاق .

وضعت الطفل سريعا في حاضنة الأطفال وبدأت تسقيه الحليب قطرة قطرة وهواء الأوسجين شيئا فشيء وقليلا من الدفئ والحنان ساهرة الليل بطوله وهي تدعو وتتضرع إلى الله أن تكون خفارتها هادئة من المرضى لتتفرغ للطفل سارت الأمور كما أرادت إلا أن التعب والأرهاق تسرب إلى جسدها رويدا رويدا وهي تجلس بجوار سريره وتحنو عليه وتلمس جسده النحيف وتحس نبضه المتباطئ أخذت جفونها تُثقل عليها أرخت العيون قليلا لتستسلم إلى النوم بعدما أنبلج الصباح بشعاعه من النافذة لينير وجه الطفل الذي أعيد بريقه من أنقاض الموت وبراثن الأم الجحود حينها علت صرخة ضعيفة تسللت إلى مسامعها نهضت مسرعة خائفة تتفقد الطفل لتجده على أحسن حال كانت الحياة تدب فيه مرة أخرى أحتضنته إلى صدرها وقلبها وقبلة طبعتها على خده .

دخلت الجدة مسرعة الصالة بوجه حزين يترقب خبرا غير سار لكن حين وقع بصرها على الطفل سقط قلبها بين يديها وهي ترى حفيدها بوجهه المشرق خانتها عبرتها والدموع تنهمر من مقلتيها مدت فمها نحو يد الطبيبة تلثمها تقبيلا وشكرا لهذا الموقف النبيل بأعادت الحياة لنفس كادت أن تغادر الحياة الصعبة التي لا ترحم الضعيف.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment