فرنسوا الجردي
في لحظة لبنانية شديدة التعقيد، جاء لقاء "معراب 3" في 28 آذار 2026 تحت عنوان "إنقاذًا للبنان"، حاملاً جملة مقررات تعكس توجهاً سيادياً واضحاً، أبرزها المطالبة بإنشاء محكمة خاصة لمحاسبة من أدخل لبنان في الحرب، ورفض استمرار حزب الله في فرض قراره العسكري، والتشديد على تطبيق القرارات الدولية واستعادة سيادة الدولة.
هذا الطرح، من حيث المبدأ، ينسجم مع منطق الدولة الحديثة التي تحتكر قرار الحرب والسلم، ويعبّر عن شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يرفضون ربط مصير البلاد بأجندات إقليمية. إلا أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في العناوين، بل في قابلية التنفيذ.
أولاً: المحكمة الخاصة – بين العدالة والسياسة
الدعوة إلى إنشاء محكمة خاصة لمحاسبة من أدخل لبنان في الحرب تبدو مطلباً عادلاً نظرياً، لكنها تصطدم بواقع سياسي وقانوني معقد. فالتجارب السابقة، من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، أظهرت أن العدالة الدولية غالباً ما تبقى رهينة التوازنات السياسية. وبالتالي، فإن أي محكمة جديدة ستواجه تحديات تتعلق بالشرعية، والقدرة على التنفيذ، ومدى قبول الأطراف الداخلية بها.
ثانياً: سلاح حزب الله – معضلة الدولة
يشكل سلاح حزب الله جوهر الأزمة اللبنانية. فالمؤتمر أعاد التأكيد على رفض بقاء قرار الحرب خارج إطار الدولة، وهو موقف سيادي بامتياز. لكن في المقابل، فإن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تتم بقرار داخلي فقط، بل ترتبط بتوازنات إقليمية أوسع، خصوصاً بالعلاقة مع إيران والصراع مع إسرائيل. لذلك، فإن أي طرح لنزع هذا السلاح دون مقاربة شاملة قد يبقى في إطار المواقف السياسية دون ترجمة عملية.
ثالثاً: القرارات الدولية – بين النص والتطبيق
التشديد على تطبيق القرارات الدولية، مثل القرار 1701 وغيره، يعكس تمسكاً بالشرعية الدولية. إلا أن المشكلة التاريخية في لبنان تكمن في الانتقائية في تطبيق هذه القرارات، سواء من الداخل أو من القوى الخارجية. ما يعني أن تفعيلها يتطلب إرادة دولية جدية، وليس فقط موقفاً محلياً.
رابعاً: الانعكاسات الداخلية
داخلياً، من المتوقع أن تعمّق هذه المقررات الانقسام السياسي بين فريقين: فريق سيادي يدعو لحصر السلاح بيد الدولة، وفريق يعتبر أن سلاح حزب الله جزء من منظومة الردع. هذا الانقسام قد يترجم مزيداً من التوتر السياسي، وربما شللاً إضافياً في المؤسسات، في ظل غياب تسوية شاملة.
خامساً: البعد الإقليمي
إقليمياً، يضع المؤتمر نفسه في مواجهة مباشرة مع النفوذ الإيراني في لبنان. فاعتبار حزب الله "ذراعاً لإيران" يعكس تموضعاً سياسياً واضحاً ضمن محور إقليمي مقابل. وهذا قد يؤدي إلى تشدد إيراني أكبر في التمسك بالحزب كورقة استراتيجية، خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية المستمرة.
سادساً: البعد الدولي
دولياً، قد يلقى هذا الطرح دعماً من دول غربية وعربية تدعو إلى تعزيز سيادة الدولة اللبنانية. إلا أن هذا الدعم يبقى مشروطاً بقدرة اللبنانيين أنفسهم على توحيد موقفهم، وبوجود خطة تنفيذية واضحة، لا تكتفي بالشعارات.
خلاصة
لقاء "معراب 3" يشكل محطة سياسية تعيد طرح المسألة السيادية في لبنان بوضوح. لكنه، في الوقت نفسه، يطرح أسئلة صعبة حول كيفية الانتقال من الخطاب إلى الفعل. فلبنان اليوم ليس فقط أمام أزمة داخلية، بل أمام تشابك معقد بين الداخل والخارج، يجعل أي حل حقيقي مرهوناً بتقاطع الإرادات المحلية والإقليمية والدولية.
بين الطموح المشروع والواقع الصعب، يبقى التحدي الأساسي: هل يستطيع لبنان استعادة قراره السيادي، أم سيبقى ساحة لتصفية الحسابات؟











03/29/2026 - 18:34 PM





Comments