كتب بركات شاهين
على كل من يحكم سورية أن يتذكر أن : دمشق ليست مجرّد عاصمةٍ لدولة، بل هي واحدة من أقدم الحواضر الإنسانية التي شكّلت، عبر العصور، نموذجًا فريدًا في التنوّع الثقافي والحضاري. فهي مدينةٌ تختزن في ذاكرتها تاريخ شعوبٍ متعدّدة، وتعبّر عن تلاقي الحضارات وتفاعلها في أرقى صوره.
لقد كانت سوريا، وعلى امتداد تاريخها، فضاءً جامعًا لمختلف القوميات والأديان والمذاهب، ومثالًا على قدرة المجتمعات على التعايش في ظل التنوع. ولم تكن يومًا حكرًا على فئة دون أخرى، بل وطنًا يتّسع للجميع، يقوم على مبدأ الشراكة والمسؤولية المشتركة.
إن الإرث الحضاري الذي تحمله دمشق وسائر المدن السورية ليس مجرد ماضٍ يُروى، بل مسؤولية تاريخية تستدعي من كل من يتولّى إدارة شؤون البلاد أن يستلهمه في بناء الحاضر وصياغة المستقبل. فالدول التي تنجح في ترسيخ الاستقرار هي تلك التي تقوم على العدالة، وتعزّز المواطنة، وتكفل تكافؤ الفرص بين أبنائها.
وفي هذا السياق، فإن التحديات التي تواجهها سوريا اليوم تتطلّب رؤىً جامعة تتجاوز الانقسامات، وتعمل على ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، بما يضمن كرامة المواطن ويعزّز الثقة بين المجتمع والدولة. فالتنوّع، إذا ما أُدير بحكمة، يشكّل مصدر قوّة وإثراء، لا عامل انقسام.
لقد أسهمت سوريا تاريخيًا في حركة الحضارة الإنسانية، وكانت من أوائل الدول التي شاركت في تأسيس النظام الدولي الحديث ومؤسساته، وهو ما يعكس موقعها الطبيعي كدولة فاعلة في محيطها الإقليمي والدولي. ومن هذا المنطلق، فإن استعادة هذا الدور تتطلّب سياسات متوازنة، ورؤية منفتحة، تعيد الاعتبار للإنسان السوري بوصفه محور التنمية وأساسها.
إن بناء المستقبل لا ينفصل عن فهم عميق للتاريخ، ولا يتحقق إلا من خلال الاستثمار في الإنسان، وتعزيز قيم العدالة والمواطنة، والابتعاد عن كل أشكال الإقصاء أو التمييز. فالدولة القوية هي التي تستمدّ قوّتها من وحدة مجتمعها وتماسكه، ومن ثقة مواطنيها بمؤسساتها.
إن التجربة التاريخية لسوريا تؤكد أن هذه البلاد لم تُبنَ يومًا على أساس الغلبة العددية، ولا استقرّت بمنطق الأكثرية والأقلية، بل ازدهرت حين كانت هويةُ الدولة أوسع من كل التصنيفات، وحين كان الانتماء الوطني جامعًا لا مُجزِّئًا.
إن الفكر الفئوي الضيق، مهما بدا قادرًا على فرض نفسه في لحظةٍ ما، لا يمكن أن يؤسّس لدولةٍ مستقرة أو لمجتمعٍ متماسك. فالتاريخ السوري، في محطاته المفصلية، يُظهر أن إسهامات المكوّنات المختلفة—بغضّ النظر عن حجمها—كانت حاسمة في صناعة حضارة هذه المنطقة، وفي إغناء مسيرتها في الداخل السوري وفي العالم .
إن دمشق، بما تمثّله من رمزية تاريخية وثقافية، تظلّ مرجعيةً حضاريةً تذكّر الجميع بأن هذه الأرض كانت، وستبقى، مساحةً للالتقاء والبناء المشترك. ومن هنا، فإن المرحلة الراهنة تتيح فرصة حقيقية لإعادة تأكيد هذا الدور، والانطلاق نحو مستقبل يليق بتاريخ سوريا ومكانتها.











03/28/2026 - 15:11 PM





Comments