الإخوة الثلاثة وعار الوسيط الغائب

03/28/2026 - 09:41 AM

Atlantic home care

 

 

بيار مارون *

في سفر التكوين، لحظة واحدة فقط جمعت إسماعيل وإسحاق: يوم دفن أبيهما إبراهيم. جاءا معاً، وقفا على القبر ذاته، ثم افترق كل منهما في طريقه. لم يسألهما أحد إن كانا يريدان العودة معاً. ومنذ ذلك الحين، بدا الشرق الأوسط وكأنه يعيد إنتاج ذلك المشهد: لقاءات اضطرارية عند حافة الهاوية، يعقبها افتراق جديد.

الصراع العربي–الإسرائيلي ليس نزاعاً على حدود فحسب. الحدود تتبدل، أما الخصومة العميقة فتبقى. هو في جوهره امتداد حديث لنزاع أخوي قديم لم يُحسم يوماً بين إسماعيل وإسحاق: أخوين جمعهما أب واحد، وفرّقتهما روايتان مختلفتان عن الوعد والحق والمستقبل. ارتبط إسماعيل في الوعي الجماعي بالبرية والحرية والكرامة، وارتبط إسحاق بالعهد والأرض والاستمرارية. ونظر كل طرف إلى الآخر لا بوصفه أخاً مختلفاً، بل بوصفه نفياً لذاته وتهديداً لوجوده.

وفي قلب هذه العائلة الإبراهيمية، يقف طرف ثالث كان يُفترض أن يؤدي دوراً فريداً: المسيحيون. فبحسب تعليم القديس بولس، هم أبناء إبراهيم بالتبني الروحي؛ انتماء لا يقوم على الدم ولا على الأرض، بل على الإيمان والاختيار. وهذا التبني يمنحهم موقعاً يسمح لهم — نظرياً — بأن يكونوا “الأخ المؤتمن”: القادر على فهم وجع إسماعيل وتوجس إسحاق من دون أن يذوب في رواية أحدهما.

لكن هذا الدور لم يتحقق كما ينبغي. فقد انحازت تيارات مسيحية، لأسباب لاهوتية أو سياسية أو حضارية، إلى رواية أحد الطرفين. وفي المقابل، لم يكن هذا الانحياز يوماً موقف المسيحيين جميعاً؛ إذ أنتجت الكنائس التاريخية والمجتمع المدني المسيحي، في محطات كثيرة، أصواتاً نقدية جريئة ودفاعاً عن ضحايا الظلم من الطرفين. أما الغرب الحكومي — في أوروبا والولايات المتحدة — فقد منح الرواية الإسرائيلية غطاءً سياسياً وأخلاقياً واسعاً، حتى حين تناقض ذلك مع مبادئ الحق والكرامة الإنسانية. ولم يكن هذا الانحياز نتيجة لاهوت ملزم، بل لخيارات سياسية تراكمت عبر عقود. وهكذا تحوّل الوسيط إلى طرف، وفقد قدرته على الوساطة ومصداقيته معاً.

الدور المطلوب اليوم ليس أن يقف المسيحيون مع أحد الإخوة ضد الآخر، ولا أن يحسموا من هو الأحق بالأرض أو بالرواية، بل أن يكونوا العمود الفقري العادل والراقي والصلب لأي سلام حقيقي بين إسماعيل وإسحاق. هذا يعني أن يجلسوا مع الطرفين ويقولوا لكل منهما ما لا يريد سماعه؛ أن يرفضوا منطق “الوراثة الحصرية” ويدعوا إلى “الأخوة المسؤولة” — لا بوصفها مساواة شكلية بين القوي والضعيف، بل بوصفها إخضاعاً للطرفين معاً لميزان عدالة لا يبرر الظلم ولا يجمّل الغلبة. وأن يظلوا واقفين حين يشتد الكلام ويصعب، وحين يصبح الصمت أسهل من المواجهة. وهذا ليس ضعفاً، بل أصعب أشكال القوة الأخلاقية.

وثيقة “الأخوة الإنسانية” عام 2019 بين البابا فرنسيس والإمام أحمد الطيب كانت خطوة مهمة، لكنها بقيت ناقصة لأن أحد أضلاع البيت الإبراهيمي ظل غائباً عن الطاولة. والسلام الإبراهيمي الحقيقي لا يكتمل بغياب أحد الإخوة.

تعيش المنطقة اليوم لحظة نادرة وشديدة الحساسية. موازين القوى تتبدل، والفراغات التي يخلّفها انكسار بعض المشاريع الإقليمية لن تبقى فارغة طويلاً. والسؤال ليس فقط: من سيملأ الفراغ؟ بل بأي منطق، وبأي لغة، وبأي قيم؟

وهنا يبرز لبنان — رغم تعثراته المتكررة — كنموذج حيّ لما يمكن أن يعنيه هذا الدور حين يتجسد في مجتمع متحضر، يجعل من التعدد، في أفضل صوره، شرطاً للعيش المشترك لا سبباً للصراع. ففي أفضل صوره التاريخية، لم يكن لبنان مجرد ساحة طوائف، بل محاولة لصوغ توازن يجعل من التنوع مصدر قوة لا مادة للحرب.

من هنا تبرز مسؤولية المسيحيين — ولا سيما الفاتيكان والكنائس المشرقية وكل صوت مسيحي مستقل — في أن يستعيدوا دور “الأخ المؤتمن”: لا كوسطاء محايدين باردين، بل كحَمَلة ميزان أخلاقي صلب، يرفضون الانحياز الأعمى، ويصرّون على كرامة الطرفين معاً، ويذكّرون الجميع بأن الأرض لا تلغي الإنسان، وأن الوعد لا يبرر الظلم، وأن الذاكرة لا تمنح أحداً حق سحق ذاكرة الآخر.

فإذا استعاد المسيحيون هذا الدور، فقد يلتقي إسماعيل وإسحاق مرة أخرى — لا على قبر أبيهما، بل على طاولة لا يُلغى فيها أحد ولا يُبارك فيها ظلم أحد.

* محلل استراتيجي

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment