فرنسوا الحردي
في لحظة إنسانية شديدة القسوة، حيث تتزايد أعداد النازحين وتتفاقم ظروفهم المعيشية، يبرز سؤال جوهري: هل ما زال هذا الملف يُدار بعقل الدولة، أم أنه سقط نهائيًا في فخ الاستثمار السياسي؟ الواقع يشير بوضوح إلى أن قضية النازحين في لبنان لم تعد مجرد أزمة إنسانية، بل تحوّلت إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل السياسية.
إن الرأي القائل بضرورة إخراج هذا الملف من “بازار المصالح” ليس فقط منطقيًا، بل بات ملحًا. فحين تتحوّل معاناة الناس إلى أداة في الصراع، نكون أمام انحدار خطير في المعايير الأخلاقية والسياسية على حد سواء. استخدام النازحين لتكريس سرديات مظلومية، أو لتسجيل نقاط في مواجهة الخصوم، أو حتى لاستثارة المخاوف المرتبطة بالتغيير الديموغرافي، كلها ممارسات تلتقي عند نتيجة واحدة: تعميق الأزمة بدل حلّها.
من جهة، هناك من يرى في النازحين مادة لتثبيت خطاب سياسي معين، يهدف إلى شدّ العصب الشعبي وتبرير خيارات قائمة. ومن جهة أخرى، يظهر خطاب مضاد يقوم على التخويف، مستحضرًا ذاكرة الحرب الأهلية وما تحمله من هواجس وجودية لدى فئات واسعة من اللبنانيين. وبين هذين الاتجاهين، تضيع الحقيقة الأساسية: أن النازح هو أولًا وأخيرًا إنسان، فقد منزله وأمانه، ويبحث عن الحد الأدنى من الكرامة.
المشكلة لا تكمن فقط في تعدد المقاربات، بل في غياب مقاربة وطنية جامعة. فالدولة، التي يُفترض أن تكون المرجعية الأولى في إدارة الأزمات، تبدو في كثير من الأحيان غائبة أو عاجزة، تاركة المجال مفتوحًا أمام المبادرات الفردية أو الحزبية، والتي غالبًا ما تكون محكومة بحسابات ضيقة. هذا الفراغ يعزز الفوضى ويغذي الانقسامات، بدل أن يضع أسسًا لحل متوازن يراعي الاعتبارات الإنسانية والسيادية في آن معًا.
المقاربة الواقعية تقتضي الاعتراف بحقيقتين متلازمتين: الأولى، أن استقبال النازحين والتعامل معهم بكرامة هو واجب إنساني وأخلاقي لا يمكن التنصل منه؛ والثانية، أن إدارة هذا الملف تحتاج إلى تنظيم واضح يراعي قدرة المجتمعات المضيفة ويمنع أي اختلالات قد تولد توترات مستقبلية. التوازن بين هذين البعدين هو جوهر الحل، وليس الانحياز الكامل لأي منهما على حساب الآخر.
كما أن الخروج من هذا المأزق يتطلب خطابًا مسؤولًا يبتعد عن التحريض والتخويف، ويؤسس لوعي عام قائم على الحقائق لا على الهواجس. فاستحضار “أشباح الحرب” قد يكون وسيلة فعالة لحشد الجمهور، لكنه في الوقت نفسه يعيد إنتاج مناخات الانقسام ويقوّض أي فرصة لبناء ثقة متبادلة بين مكونات المجتمع.
في الخلاصة، إن التعامل مع ملف النازحين هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة والمجتمع على الارتقاء فوق الحسابات الضيقة. فإما أن يُعاد وضع هذا الملف في إطاره الإنساني والإداري الصحيح، ضمن رؤية وطنية واضحة، وإما أن يبقى أداة نزاع مفتوحة، يدفع ثمنها النازحون أولًا، ثم المجتمع اللبناني بأسره.
النازح ليس تهديدًا بحد ذاته، كما أنه ليس ورقة ضغط. إنه مرآة لأزمة أكبر، أزمة إدارة ووعي ومسؤولية. ومعالجتها تبدأ من قرار واضح: الكفّ عن استثمار الألم، والبدء ببناء حلول حقيقية.











03/27/2026 - 11:02 AM





Comments