تحذيرات الانهيار في الجيش الإسرائيلي: الواقع الميداني ام ضغط السياسي؟

03/26/2026 - 13:41 PM

Prestige Jewelry

 

 

بقلم د. سعيد محمد ابو رحمه 

تُثير التحذيرات الصادرة عن رئيس أركان جيش الاحتلال بشأن انهيار داخلي محتمل للجيش الإسرائيلي نقاشًا واسعًا يتجاوز بعدها العسكري المباشر، ليصل إلى عمق التداخل بين المؤسسة العسكرية وصناعة القرار السياسي في إسرائيل. فهذه التصريحات، التي تتحدث عن نقص حاد في أعداد الجنود وتآكل في جاهزية القوات النظامية، لا يمكن قراءتها بوصفها توصيفًا تقنيًا بحتًا، بقدر ما تعكس لحظة مركبة من الضغوط البنيوية والسياسية التي يعيشها الكيان.

من الناحية الظاهرية تبدو هذه التحذيرات منسجمة مع معطيات ميدانية حقيقية، أبرزها اتساع رقعة العمليات العسكرية على أكثر من جبهة، واستمرار حالة الاستنزاف البشري، سواء في القوات النظامية أو في صفوف الاحتياط. فالحروب الممتدة بطبيعتها تُنتج إرهاقًا تدريجيًا، وتفرض تحديات على مستوى الجاهزية والاستدامة القتالية، خاصة في ظل غياب أفق سياسي واضح ينهي حالة الاشتباك المفتوح. وهذا ما يجعل الحديث عن التآكل ونقص الموارد البشرية أمرًا واقعيًا إلى حد بعيد.

غير أن توقيت إطلاق هذه التحذيرات يكشف جانبًا آخر لا يقل أهمية وهو البعد السياسي. إذ تأتي هذه التصريحات في لحظة حساسة داخليًا، تتزامن مع صراع محتدم حول قضايا التجنيد، خصوصًا فيما يتعلق بالأحزاب الحريدية التي ترفض الانخراط في الخدمة العسكرية، وتمتلك في الوقت ذاته وزنًا حاسمًا في معادلة الحكم. من هنا، يمكن فهم التحذير باعتباره أداة ضغط موجهة، تهدف إلى تحميل هذه الأطراف مسؤولية أي تراجع في كفاءة الجيش، ودفعها نحو تقديم تنازلات في ملف التجنيد، خاصة مع اقتراب استحقاقات سياسية مصيرية مثل التصويت على الموازنة.

في السياق ذاته وجدت المعارضة الإسرائيلية في هذه التصريحات فرصة لتعزيز خطابها النقدي للحكومة، متهمة إياها بإدارة الحرب دون استراتيجية واضحة، وبالزج بالجيش في معارك مفتوحة دون توفير الحد الأدنى من الموارد البشرية اللازمة. هذا التلاقي بين خطاب المؤسسة العسكرية وخطاب المعارضة، حتى وإن لم يكن منسقًا بشكل مباشر، يعكس حجم التصدع داخل بنية القرار الإسرائيلي، ويُظهر كيف تحوّل الجيش من أداة تنفيذ إلى طرف فاعل في معادلة التأثير السياسي.

وعند العودة إلى التجارب السابقة يتضح أن هذه ليست المرة الأولى التي تُطلق فيها تحذيرات من هذا النوع. فقد دأب رؤساء أركان سابقون على التحذير من مخاطر الاستنزاف، ومن تداعيات استمرار العمليات العسكرية دون رؤية سياسية واضحة. وغالبًا ما كانت هذه التحذيرات تُقدَّم في سياق محاولة التأثير على صانع القرار، سواء لدفعه نحو إنهاء العمليات أو لإعادة تعريف أهدافها. ومع ذلك فإن هذه التحذيرات لم تُترجم في معظم الأحيان إلى تغييرات جوهرية في السلوك العسكري، حيث استمرت العمليات بوتيرتها، واستمر الانخراط في جبهات متعددة دون توقف فعلي.

هذا التكرار يطرح سؤالًا مهمًا حول وظيفة هذه التحذيرات: هل هي انعكاس صادق لواقع مأزوم، أم أنها جزء من أدوات التفاوض الداخلي؟ في الحقيقة، يصعب الفصل بين الأمرين. فالجيش الإسرائيلي يواجه بالفعل تحديات حقيقية تتعلق بالموارد البشرية والاستنزاف، لكن في الوقت ذاته، تُستخدم هذه التحديات كورقة ضغط في مواجهة القيادة السياسية، أو في إدارة التوازنات داخل النظام.

الأهم من ذلك أن تأثير هذه التحذيرات لا يتحدد فقط بمدى دقتها، بل أيضًا بقدرة الأطراف الأخرى على استثمارها. فحتى لو كشفت هذه التصريحات عن نقاط ضعف حقيقية، فإنها لا تتحول تلقائيًا إلى عامل حاسم في تغيير موازين القوى، ما لم تُترجم إلى استراتيجيات مضادة على الأرض. الاكتفاء بتداولها إعلاميًا يمنح أثرًا معنويًا محدودًا، لكنه لا يغيّر من الوقائع الميدانية.

فيمكن القول إن الحديث عن انهيار الجيش الإسرائيلي لا يعكس بالضرورة واقعًا نهائيًا بقدر ما يعكس حالة ضغط مركبة يعيشها الجيش بين استنزاف الميدان وتجاذبات السياسة. إنها لحظة تعيد فيها المؤسسة العسكرية رسم حدود قدرتها، وتحاول من خلالها التأثير على مسار القرار السياسي، دون أن يعني ذلك بالضرورة اقتراب الانهيار بقدر ما يعني دخول الجيش في مرحلة إعادة توازن تحت ضغط الحرب والسياسة معًا.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment