ضياء محسن الأسدي
هناك سؤال يُطرح ويتردد بين المسلمين، وهو: كيف يُحاسَب الناس من الأديان الأخرى من غير المسلمين يوم القيامة؟ فقد تعددت الآراء في هذا الصدد؛ فمنهم من يقول إنهم يُحاسَبون ككفار أو مشركين بالله تعالى، وعقابهم نار جهنم خالدين فيها. ومنهم من يقول إنهم يُحاسَبون على نهج ما أوصت به شرائعهم ودياناتهم ومعتقداتهم.
لكن لو استعرضنا آيات القرآن الكريم، نجد فيها بعض الإشارات أو الإجابات الشافية؛ إذ تقول إن الذين وصلت إليهم الشريعة الإلهية الخاتمة التي أُنزلت على الرسول الكريم محمد بن عبد الله صلوات الله عليه، واطّلعوا عليها وفهموها ولم يؤمنوا بها، فيحق عليهم العقاب الإلهي. أما إذا وصلهم الدين الإسلامي وعقيدته وفكره ومنهاجه بصورة مشوّهة مخالفة للشريعة والمعتقد الأصلي ومغايرة للشرائع التي سبقته، فلا جُناح عليهم بعدم اتباعه.
ومع ذلك، فإن هذا لا يعفي الناس من الأديان الأخرى من المسؤولية في البحث والتقصّي عن الدين الإسلامي الحقيقي والعقائد التي تقرّبهم من الله تعالى، للخروج من الظلالة والظلام إلى نور الهداية والطريق المستقيم، قبل أن تضع الحياة أوزارها ويحين وقت الرحيل. وذلك في ظل وسائل التواصل الاجتماعي والثورة الفكرية والعلمية ووسائل الإعلام، ووجود وفرة من العلم والثقافة في الساحة من المفكرين والمثقفين الباحثين عن الحقيقة من المسلمين وغير المسلمين والمستشرقين، بعدما بدأ العالم ينفتح على نوافذ العلم والمعرفة العلمية والإنسانية، والاطلاع على ما يستطيع من البحث والتقصّي المعرفي، وخصوصًا على العالم الإسلامي الصحيح بمنهجه وأسلوب حياته وعقيدته وفكره، لتبنّي عقيدته التي تستطيع الشعوب من خلالها أن تجد ضالتها وتبني حضارتها وترتقي بإنسانيتها، بعدما وصل العالم إلى مستويات متدنية من الانحدار الفكري والعقائدي والمجتمعي في ظل غياب البديل الموحد لهم ولمجتمعات العالم.
قال تعالى: "ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين" (آل عمران 85).
أما من جانبنا نحن المسلمين، فعلينا إيصال العقيدة الإسلامية الخاتمة المحمدية الصحيحة الواضحة لملء الفراغ العقائدي المنحرف في المجتمعات غير المسلمة، لتصحيح مسيرة الإنسانية التي باتت تنحرف شيئًا فشيئًا عن جادة الطريق المستقيم. وعلى كل مسلم أن يُرسل رسائل علمية وعملية وفكرية وعقائد الإسلام، وأن يعكس نمط الحياة القرآنية التي جاء بها الرسول الأعظم محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه.
علينا أن نعرف أن كل من ابتعد عن الدين الإسلامي أو عارض أو كفر أو تخوّف أو ألحد به، فالسبب هو نحن المسلمون؛ إذ ابتعدنا عن العقيدة والفكر الإسلامي الصحيح، وانجرفنا نحو التقليد الأعمى المتعصب لأفكار وتفاسير وتأويلات غير صحيحة وغير منطقية، أبعدت الآخرين عنا ونفّرت الكثير من غيرنا بسلوك وتفكير اجتماعي وعقائدي مغاير لما نزل من الله تعالى، مما انعكس سلبًا على مفهوم الرسالة المحمدية.
فالبلاغ لهم ضروري، بعدما تكفّل به النبي محمد صلوات الله عليه وصحبه الكرام من بعده، فكان لهم النذير والبشير والمبلّغ لرسالته، كما قال تعالى: "وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (سبأ 28)،
وكذلك قوله تعالى: "فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظًا إن عليك إلا البلاغ" (الشورى 48).
فليس لأحد من أمة محمد بن عبد الله صلوات الله عليه الاعتراض أو محاسبة الناس من غير المسلمين على عدم اعتناقهم الإسلام، كون الخلل فينا وبأيدينا؛ إذ أوصلنا الدين الإسلامي لهم بفكره وعقيدته المشوّهة التي فيها الكثير من المغالطات الفكرية والعقائدية التي شوّهت صورة الإسلام المشرقة الإنسانية والاجتماعية.
والمأساة هي ترك العقيدة الإسلامية من غير تنقيح وغربلة ودراسة جديدة متطورة للمنهج القرآني بعد وفاة النبي محمد حامل الرسالة الخاتمة، وعدم تجديد الخطاب الديني والعقائدي بجهود ثلّة من المجددين والمفكرين والباحثين المعاصرين، الذين يسعون من خلال صراعهم مع مخلفات ومخالفات التراث الإسلامي والعربي القديم إلى إعادة الفكر الإسلامي الناصع والعقيدة المحمدية السمحة، لتكون شعاع النور الذي يفيض على العالم وشعوبه.











03/16/2026 - 04:53 AM





Comments