جمال دملج *
ثمة ميل شائع في كثير من الأدبيات الغربية إلى اختزال ربع القرن الأخير من التاريخ الروسي في شخصية فلاديمير بوتين وحده، وكأنّ الرجل هو الذي ابتكر المزاج السياسي الروسي، أو فرضه على مجتمع لم يكن يريده.
غير أنّ هذه القراءة، برأيي، تقفز فوق حقيقة أكثر عمقًا. فبوتين لم يخلق روسيا الجديدة، بل جاء في لحظة كان المجتمع الروسي يبحث فيها، بوعي أو بغير وعي، عن شخصية قادرة على إعادة ترميم الدولة بعد عقد كامل من الارتباك الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفييتي.
كان الروس قد جرّبوا، خلال تسعينيات القرن الماضي، وصفات الانفتاح الاقتصادي السريع، والخصخصة غير المنضبطة، والانكشاف الكامل على الغرب. لكن النتيجة التي لمسها المواطن العادي لم تكن الازدهار الموعود، بل تراجع مستوى المعيشة، وصعود طبقة من أصحاب الثروات الهائلة، وتراجع هيبة الدولة، واتساع الإحساس بأنّ روسيا فقدت مكانتها الدولية. ولذلك، عندما ظهر بوتين في اليوم الأول من القرن الحادي والعشرين، لم يكن يقدم مشروعًا أيديولوجيًا جديدًا بقدر ما كان يعرض وعدًا بسيطًا ومفهومًا بالنسبة إلى معظم الروس: إعادة بناء الدولة.
الشيشان... حيث وُلدت العقيدة البوتينية
قبل أن يسمع العالم بالتدخلات الروسية في القرم أو أوكرانيا أو سوريا، كانت الشيشان المختبر الأول للرئيس الروسي الجديد. فهناك تبلورت المبادئ التي سترافق سياساته خلال السنوات اللاحقة، إذ أنّ الدولة، في نظر بوتين، لا تستطيع أن تسمح بانهيار سلطتها المركزية، ولا بتفكك أراضيها، لأنّ أي تنازل في هذا المجال لن يبقى محصورًا في الشيشان، بل قد يمتد إلى بقية الجمهوريات والقوميات التي يتكون منها الاتحاد الروسي.
ومن هنا، لم تكن الحرب الشيشانية الثانية مجرد عملية عسكرية، بل كانت إعلانًا عن فلسفة سياسية جديدة مفادها أنّ بقاء الدولة يسبق أي اعتبار آخر، وأنّ قوة المركز هي الشرط الأول للاستقرار. وقد نجح الكرملين، خلال أشهر، في فرض سيطرته على الشيشان، مستفيدًا من طبيعة الصراع المحلية، ومن غياب التدخل الدولي المباشر، ومن التفاف جزء كبير من الرأي العام الروسي حول فكرة استعادة هيبة الدولة.
لماذا لم تتكرر التجربة نفسها في أوكرانيا؟
هنا تبدأ المقارنة التي كثيرًا ما يغفلها المراقبون. فالشيشان كانت جزءًا من الاتحاد الروسي، بينما تحولت أوكرانيا، بعد عام 1991، إلى دولة مستقلة ذات مؤسساتها وجيشها وعلاقاتها الدولية.
كما أنّ الحرب الأوكرانية اندلعت في بيئة استراتيجية مختلفة تمامًا؛ إذ واجهت روسيا، للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة، دعمًا عسكريًا وماليًا واستخباراتيًا واسعًا لكييف، جعل الصراع يتجاوز حدود النزاع الثنائي، ليصبح ساحة اختبار لتوازن القوى بين موسكو والغرب. ولهذا السبب، فإنّ المقارنة المباشرة بين الحربين قد تبدو مغرية، لكنها ليست دقيقة. فالهدف السياسي العام بقي متشابهًا: حماية ما تعتبره موسكو أمنها القومي. أما البيئة العسكرية والدبلوماسية، فقد كانت مختلفة إلى حد بعيد.
عندما بدأت العواصم الغربية تعيد النظر
من هنا يمكن فهم أهمية التصريحات الأخيرة لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، عندما وصف الهجوم الأوكراني المضاد في مثل هذا اليوم من عام 2023 بأنه كان كارثة استراتيجية وتكتيكية، معتبرًا أنّ كييف كان ينبغي أن تتمسك بالدفاع بدلًا من خوض عمليات هجومية واسعة.
ولا تكمن أهمية هذا الكلام في كونه يصدر عن مسؤول أميركي فحسب، بل لأنه يعكس بداية مراجعة داخل بعض دوائر التفكير الغربية، ليس لمبدأ دعم أوكرانيا، وإنما للطريقة التي أُدير بها الصراع، وللافتراضات التي بُنيت عليها رهانات تحقيق حسم عسكري سريع.
وهذه المراجعات ليست اعترافًا بانتصار روسيا، كما أنها ليست إعلانًا بفشل الغرب، لكنها تعكس إدراكًا متزايدًا بأنّ الحرب الأوكرانية كانت أعقد بكثير من التصورات التي سادت في بداياتها.
بين موسكو عام 2000 وموسكو اليوم
أتذكر، بعد أشهر قليلة من وصول فلاديمير بوتين إلى الكرملين، أنني التقيتُ في موسكو وزير التعاون الإقليمي والدولي الإسرائيلي (حينذاك) الراحل شمعون بيريز، خلال زيارته الأولى لروسيا في مطلع الألفية الجديدة.
وفي أثناء حديثنا، قال لي عبارة لا تزال عالقة في ذاكرتي: "إنّ صوت روسيا المعتدل، وغير المنحاز لطرف ضد آخر، سيكون مسموعًا أكثر في المحافل الدولية".
لم أكن أدرك آنذاك أنّ تلك الكلمات ستُقرأ، بعد ربع قرن، في سياق مختلف تمامًا. فروسيا عادت بالفعل إلى قلب المعادلات الدولية، لكنها عادت أيضًا إلى قلب واحدة من أكبر المواجهات الجيوسياسية منذ نهاية الحرب الباردة.
وهنا تكمن مفارقة التجربة البوتينية: فقد استعادت موسكو حضورها العالمي، لكن هذا الحضور جاء مقرونًا بكلفة سياسية واقتصادية وعسكرية لا يمكن تجاهلها.
هل انتصر بوتين أم انتصرت العقيدة؟
ربما يكون الخطأ الأكبر في قراءة التجربة الروسية هو اختزالها في سؤال بسيط: هل انتصر فلاديمير بوتين أم خسر؟ فالسياسات الكبرى لا تُقاس بمنطق الربح والخسارة الآنية، بل بقدرتها على تحقيق الأهداف التي وُضعت من أجلها، وبالثمن الذي دُفع في سبيل ذلك.
لقد نجح بوتين، خلال خمسة وعشرين عامًا، في إعادة بناء مؤسسات الدولة الروسية، واستعادة مركزية القرار، وإعادة موسكو إلى موقع لا يستطيع أي نظام دولي تجاهله.
لكن الحرب الأوكرانية أظهرت أيضًا أنّ استعادة المكانة الدولية لا تعني بالضرورة استعادة القدرة على تحقيق الأهداف بسرعة، وأنّ القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تختصر وحدها تعقيدات السياسة والتاريخ والجغرافيا.
ولعل السؤال الذي سيبقى مفتوحًا أمام المؤرخين، أكثر مما هو أمام السياسيين، ليس ما إذا كان بوتين قد غيّر روسيا، بل ما إذا كانت روسيا، بتاريخها وثقافتها وإحساسها العميق بذاتها، هي التي صنعت ما بات يُعرف اليوم بـ"العقيدة البوتينية".
*كاتب وإعلامي لبناني










07/06/2026 - 13:03 PM





Comments