السلاح خارج الدولة ومستقبل لبنان

03/16/2026 - 04:14 AM

Bt adv

 

 

سيلفانا سمعان *

في لبنان اليوم، السلاح خارج الدولة يمثل صدعًا عميقًا في المجتمع والسلطة، يضغط على كل مؤسسات الدولة ويكشف صراعات إقليمية تتجاوز الحدود. بين من يراه أداة دفاع أو ضمانة أمنية، ومن يعتبره تهديدًا مباشرًا لاستقرار الدولة وسيادتها، أصبح الحديث عن نزع السلاح النقاش الأبرز في الشارع والسياسة والإعلام. فهل يمكن فرض القانون والاحتكار الشرعي للقوة دون معالجة جذور الصراع، أم أن أي خطوة غير مدروسة ستكون مجرد مسكن مؤقت يخفف الألم لحظة، ثم يعود المرض نفسه ليهدد الاستقرار؟ وكيف يمكن للدولة فرض سيادتها بينما تمتلك هذه القوة الموازية القدرة على التأثير في القرار السياسي؟

لفهم هذه الحالة بعمق، لا بد من الخروج أولًا من الإطار اللبناني والنظر إلى التجارب التاريخية في العالم. فالتاريخ السياسي يقدم نماذج متعددة لدول واجهت الظاهرة نفسها، وكانت النتائج مختلفة جذريًا من حالة إلى أخرى.

في النظرية الكلاسيكية للدولة، يعرّف عالم الاجتماع الألماني Max Weber الدولة بأنها الجهة التي تمتلك الاحتكار الشرعي لاستخدام القوة داخل حدودها. عندما يتكسر هذا الاحتكار، تدخل الدولة في منطقة رمادية بين السيادة الكاملة والسيادة المنقوصة، حيث لا يعود قرار الحرب والسلم حكرًا على الدولة فقط.

غير أن التاريخ الحديث يظهر أن الواقع أكثر تعقيدًا بكثير من هذه القاعدة النظرية. ففي العقود الماضية ظهرت في العديد من الدول قوى مسلحة غير تابعة للدولة: حركات مقاومة، ميليشيات محلية، أو تنظيمات ثورية. بعض هذه القوى اندمج لاحقًا في النظام السياسي، وبعضها أدى إلى انهيار الدولة نفسها، بينما بقي بعضها الآخر في حالة توازن هش لعقود. عند دراسة التجارب، يمكن تمييز ثلاثة نماذج أساسية: الأول، التجارب التي فشلت فيها الدولة، والثاني، التجارب التي نجحت جزئيًا، والثالث، التجارب التي نجحت بالكامل في نزع السلاح ضمن تسويات سياسية شاملة.

النموذج الأول، وهو الأكثر خطورة، يظهر فشل الدولة في نزع السلاح وتحولها إلى ساحة صراع بين الميليشيات. ففي الصومال، بعد سقوط النظام المركزي عام 1991، ظهرت ميليشيات قبلية سيطرت على مناطق مختلفة من البلاد، وانعدم وجود سلطة مركزية قادرة على فرض القانون. النموذج نفسه تكرر في ليبيا بعد سقوط نظام القذافي عام 2011، حيث انتشرت الميليشيات وانقسمت السلطة السياسية، فيما بقي السلاح خارج السيطرة الرسمية. وفي أفغانستان خلال التسعينات، أدى رفض الفصائل المسلحة تسليم أسلحتها بعد انسحاب الاتحاد السوفيتي إلى حرب داخلية مدمرة ومهدت لصعود حركة طالبان. هنا يمكن استنتاج قاعدة أساسية في الأمن الدولي: عندما تتنافس الميليشيات المسلحة داخل الدولة، تتحول الدولة نفسها إلى ساحة صراع، وتصبح السيادة مفهوماً نظرياً أكثر منه واقعاً عملياً.

النموذج الثاني يمثل التجارب التي نجحت جزئيًا في إدارة التوازنات الداخلية، إذ يتعايش النظام الرسمي مع قوى مسلحة موازية ضمن الدولة نفسها. المثال الأبرز على ذلك هو إيران، حيث يشكل الحرس الثوري الإسلامي قوة عسكرية موازية للجيش النظامي، مع نفوذ سياسي واقتصادي واسع داخل البلاد وخارجها. كما يمكن ملاحظة نموذج مشابه في العراق مع قوات الحشد الشعبي التي ظهرت خلال الحرب ضد تنظيم داعش عام 2014، ولاحقًا تم دمج بعض وحداتها قانونيًا في الجيش، لكنها ما زالت تحتفظ باستقلالية جزئية، ما يخلق توترًا دائمًا بين المؤسسات الرسمية والقوى المسلحة المرتبطة بها.

النموذج الثالث، الذي يمثل النجاح الكامل، يشمل التجارب الدولية التي نجحت في نزع السلاح ضمن تسويات سياسية شاملة. من أبرزها اتفاقية Good Friday في إيرلندا الشمالية، التي أنهت صراعاً دام عقودًا، حيث وافق الجيش الجمهوري المؤقت على نزع سلاحه تدريجيًا مقابل ضمانات سياسية وأمنية، ما أدى إلى انخفاض العنف وتحسن اقتصادي ملحوظ. وفي كولومبيا، وقع اتفاق سلام بين الحكومة والقوات المسلحة الثورية عام 2016 بعد أكثر من خمسين عامًا من الحرب، وسلمت الحركة أسلحتها وتحولت إلى حزب سياسي، ما ساهم في خفض مستوى العنف وإعادة بناء الدولة في المناطق السابقة التي كانت خارج السيطرة. كما شهدت نيبال نهاية حرب أهلية طويلة عند توقيع اتفاق سلام مع الحزب الشيوعي الماوي عام 2006، حيث سلّم المقاتلون أسلحتهم وتم دمج بعضهم في الجيش، وتحولت الحركة إلى قوة سياسية شرعية. تشير هذه التجارب إلى أن نزع السلاح ممكن، لكنه لا يحدث بقرار عسكري بسيط. فالدراسات في بناء السلام تظهر أن نجاح هذه العمليات يتطلب عادة أربعة عناصر أساسية: اتفاق سياسي شامل، ضمانات دولية لتنفيذ الاتفاق، برامج لإعادة دمج المقاتلين في المجتمع، إضافة إلى وجود دولة قادرة على فرض القانون بعد انتهاء الصراع.

عند إسقاط هذه النماذج على لبنان، يتضح سبب تعقيد الحالة اللبنانية. فحزب الله ليس مجرد ميليشيا تقليدية، فهو يجمع بين كونه تنظيمًا مسلحًا وحزبًا سياسيًا منتخبًا وشبكة اجتماعية واسعة، إضافة إلى كونه جزءًا من محور إقليمي مرتبط بإيران. لهذا السبب يصفه بعض الباحثين بأنه “فاعل هجين” يجمع خصائص الدولة والتنظيم المسلح في آن واحد. هنا تظهر المعضلة الأساسية: قرار السلاح في لبنان لا يرتبط فقط بالتوازنات الداخلية، بل أيضًا بالصراع الإقليمي بين إيران وإسرائيل وبطبيعة النظام الطائفي اللبناني نفسه، حيث تخشى كل طائفة فقدان ميزان القوة إذا تغيرت المعادلة العسكرية.

انطلاقًا من هذه التعقيدات، يمكن تصور عدة سيناريوهات لمستقبل السلاح في لبنان. أولها تسوية إقليمية كبرى قد تغير معادلة الصراع في الشرق الأوسط وتعيد تعريف دور السلاح داخل الدولة. ثانيها دمج تدريجي للسلاح ضمن استراتيجية دفاعية وطنية تحت قيادة الجيش اللبناني. ثالثها تحول التنظيم المسلح إلى قوة سياسية بحتة، كما حدث في بعض التجارب العالمية للسلام. أما السيناريو الرابع فهو استمرار الوضع الحالي، أي توازن هش بين الدولة والتنظيم المسلح دون حل جذري.

في هذا السياق، هل يمكن لاتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل أن يغيّر معادلة السلاح في لبنان؟ تاريخيًا أظهرت بعض التجارب أن توقيع السلام قد يساهم في إزالة المبررات الأمنية لوجود قوى مسلحة خارج الدولة. المثال الأكثر وضوحًا هو معاهدة Camp David بين مصر وإسرائيل، الذي أنهى عقودًا من المواجهة العسكرية المباشرة بين البلدين بعد توقيعه من قبل Anwar Sadat وMenachem Begin، وأدى إلى استقرار نسبي طويل على الحدود بين الدولتين.

غير أن الحالة اللبنانية أكثر تعقيدًا. فالصراع بين لبنان وإسرائيل لا يقتصر على نزاع حدودي تقليدي بين دولتين، بل يتداخل مع صراعات إقليمية أوسع، أبرزها المواجهة بين إسرائيل وإيران، إضافة إلى الارتباط التاريخي بالقضية الفلسطينية. لذلك قد لا يؤدي توقيع اتفاق سلام بين بيروت وتل أبيب تلقائيًا إلى تغيير المعادلة العسكرية داخل لبنان، خصوصًا إذا بقيت التوترات الإقليمية قائمة. بعبارة أخرى، قد يكون السلام عاملًا يسهل نزع السلاح إذا جاء ضمن تسوية إقليمية شاملة، لكنه قد يزيد التعقيد إذا حصل دون توافق لبناني واسع أو دون معالجة جذور الصراع في المنطقة. لذلك أي نقاش حول مستقبل السلاح في لبنان لا يمكن فصله عن السياق الجيوسياسي الأوسع في الشرق الأوسط.

في النهاية، تظهر التجارب الدولية أن وجود سلاح خارج الدولة يقود عادة إلى واحدة من ثلاث نتائج: انهيار الدولة، أو قيام نظام مزدوج للقوة، أو نزع السلاح ضمن تسوية سياسية شاملة. لبنان اليوم يقف في مكان ما بين هذه النماذج الثلاثة، ما يجعل مستقبله مفتوحًا على أكثر من احتمال.

فهل يظل نزع السلاح في لبنان مجرد مسكن يخفف الألم مؤقتًا بينما يبقى الصراع الإقليمي مرض خفي يهدد الاستقرار، أم أن الحل الحقيقي يبدأ فقط حين تُعالج جذور الصراع من المصدر، لتتحرر الدولة من القيود المزدوجة بين الداخل والإقليم، ويصبح لبنان قادرًا على رسم سيناريو مختلف عن كل التجارب السابقة، نموذجًا لاستعادة الدولة واحتكارها للقوة؟

 

* إعلامية لبنانية معروفة بحضورها الهادئ وأسلوبها المهني في تناول القضايا المدنبة والاجتماعية والإنسانية. برزت من خلال دراستها في مجال الأمن الدولي والاستراتيجية الإقليمية، ما أتاح لها تقديم تحليلات معمّقة حول قضايا السلام والأمن في الشرق الأوسط، مع تسليط الضوء على النقاش الدائر في لبنان حول نزع السلاح وانعكاساته على الاستقرار الداخلي والإقليمي.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment