غطاء أميركي لإسرائيل للتخلّص من حزب الله؟… تصعيد سياسي يضع لبنان في قلب العاصفة

03/14/2026 - 23:44 PM

Atlantic home care

 

 

 

تحقيق صحفي من اعداد الاعلامي جورج ديب

 

في تطور لافت يعكس تبدلاً في نبرة الخطاب الأميركي تجاه لبنان، قدّمت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ما يشبه الغطاء السياسي لإسرائيل في عملياتها العسكرية ضد "حزب الله"، معتبرة أن التنظيم الموالي لإيران هو "العدو الحقيقي"، وأن حكومة لبنان وشعبه ليسا طرفاً في المواجهة. هذا الموقف الذي أثار موجة واسعة من التساؤلات في الأوساط الدبلوماسية والإعلامية، بدا وكأنه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد، ويمنح إسرائيل هامشاً أوسع للتحرك العسكري داخل الأراضي اللبنانية، في وقت يعيش فيه لبنان واحدة من أكثر لحظاته هشاشة منذ عقود. وبحسب ما رصدته بيروت تايمز، فإن هذا التصريح الأميركي لم يأتِ في فراغ، بل جاء في لحظة تتقاطع فيها الضغوط الإقليمية والدولية، وتتداخل فيها الحسابات بين واشنطن وتل أبيب وطهران، فيما يقف لبنان على خط النار، عاجزاً عن التأثير في مسار الأحداث أو حماية نفسه من تداعياتها.

فمنذ بداية التصعيد الأخير، تحاول الولايات المتحدة رسم حدود واضحة لموقفها من الحرب الدائرة على الجبهة اللبنانية. وفي الوقت الذي تؤكد فيه دعمها لـ"حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، تحرص على التمييز بين الدولة اللبنانية وبين "حزب الله"، في محاولة لإبعاد الحكومة اللبنانية عن دائرة الاستهداف السياسي والدبلوماسي. غير أن هذا التمييز، الذي يبدو في ظاهره دعماً للدولة اللبنانية، يتحول عملياً إلى تفويض غير مباشر لإسرائيل بمواصلة عملياتها العسكرية ضد الحزب داخل الأراضي اللبنانية، ما يضع لبنان أمام معادلة شديدة التعقيد: دولة تُعلن التزامها بسيادتها ورفضها الانخراط في أي حرب إقليمية، وحزب يمتلك قرار الحرب والسلم، وإسرائيل تستند إلى دعم أميركي واضح، وشعب يدفع الثمن الأكبر من دمائه واستقراره ومستقبله.

وفي قراءة موسعة للموقف الأميركي، يتضح أن واشنطن تسعى إلى تثبيت معادلة جديدة في المنطقة، مفادها أن المواجهة مع إيران لا تقتصر على الملف النووي أو العقوبات الاقتصادية، بل تمتد إلى ساحات النفوذ الإقليمي، وفي مقدمتها لبنان. فـ"حزب الله" بالنسبة للإدارة الأميركية ليس مجرد فصيل لبناني مسلح، بل هو الذراع الأكثر تأثيراً لإيران خارج حدودها، وبالتالي فإن أي إضعاف للحزب يُعدّ، من وجهة نظر واشنطن، خطوة مباشرة نحو تقليص نفوذ طهران في الشرق الأوسط. ومن هنا، يصبح الموقف الأميركي الأخير جزءاً من استراتيجية أوسع، تتجاوز حدود لبنان، وتستهدف إعادة رسم موازين القوى في المنطقة.

لكن الأخطر في هذا السياق هو أن هذا الموقف يأتي في لحظة يتعرض فيها لبنان لضربات عسكرية متواصلة، طالت مناطق مدنية، ومراكز صحية، ومؤسسات حيوية. فالتقارير الصادرة عن وزارة الصحة اللبنانية تشير إلى أرقام صادمة: أكثر من 826 شهيداً خلال أقل من أسبوعين، وأكثر من 2009 جرحى، إضافة إلى استشهاد 31 من الطواقم الطبية بعد العثور على مفقودين تحت أنقاض مركز الرعاية الصحية الأولية في برج قلاوية، وإقفال خمس مستشفيات نتيجة القصف والتهديد المباشر. هذه الأرقام، التي تنشرها بيروت تايمز ضمن متابعتها اليومية، تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها اللبنانيون، وتكشف أن الحرب لم تعد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل تحولت إلى مأساة إنسانية تضرب كل بيت وكل عائلة وكل قطاع.

وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن لبنان الرسمي يقف في موقع بالغ الصعوبة. فالحكومة اللبنانية، التي تؤكد تمسكها بسيادتها ورفضها لأي تدخل خارجي، تجد نفسها عاجزة عن التأثير في مسار الحرب أو وقف التصعيد. فقرار الحرب والسلم ليس بيدها، والضغوط الدولية تتزايد، والقدرة على حماية المدنيين تتراجع، فيما تتعرض البنى التحتية الصحية والإنسانية لضربات متتالية. وفي الوقت نفسه، تواجه الحكومة تحدياً آخر يتمثل في ضرورة الحفاظ على علاقاتها الدولية، خصوصاً مع الولايات المتحدة، التي تُعدّ أحد أبرز الداعمين للمؤسسات اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني. ومن هنا، يصبح الموقف الأميركي الأخير سيفاً ذا حدين: فهو من جهة يميّز بين الدولة والحزب، لكنه من جهة أخرى يضع الدولة في موقع المتلقي، غير القادر على تغيير المعادلة أو حماية نفسه من تداعياتها.

أما على المستوى الإقليمي، فإن الموقف الأميركي يعكس رغبة واضحة في منع توسع الحرب إلى مواجهة شاملة بين إسرائيل وإيران. فواشنطن، رغم دعمها لإسرائيل، لا تريد حرباً إقليمية واسعة قد تهدد مصالحها في المنطقة، أو تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، أو تفتح الباب أمام تدخلات دولية معقدة. ولذلك، فهي تحاول رسم حدود للمواجهة، بحيث تبقى محصورة داخل الأراضي اللبنانية، دون أن تتدحرج إلى صراع أكبر. غير أن هذا السيناريو يبقى محفوفاً بالمخاطر، لأن أي خطأ في الحسابات، أو أي ضربة غير محسوبة، قد يؤدي إلى انفجار واسع لا يمكن السيطرة عليه.

وفي الداخل الإسرائيلي، لا يبدو أن الموقف موحد بالكامل. فهناك أصوات تحذر من أن أي محاولة لـ"التخلص" من حزب الله قد تتحول إلى حرب طويلة ومكلفة، خصوصاً أن الحزب يمتلك قدرات عسكرية كبيرة، وخبرة قتالية واسعة، وشبكة دعم إقليمية. وفي المقابل، هناك تيار داخل الحكومة الإسرائيلية يرى أن الفرصة سانحة لتوجيه ضربة قاسية للحزب، مستفيداً من الدعم الأميركي، ومن انشغال العالم بحروب أخرى، ومن تراجع الاهتمام الدولي بلبنان. وبين هذين التيارين، يبقى القرار النهائي بيد القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، التي قد ترى في الموقف الأميركي فرصة تاريخية لتحقيق أهدافها.

أما لبنان، فهو يقف اليوم أمام مفترق طرق خطير. فالحرب التي يخوضها ليست حربه، والقرارات التي تُتخذ ليست بيده، والضغوط التي يتعرض لها تتجاوز قدرته على الاحتمال. وفي الوقت نفسه، يعيش اللبنانيون حالة من القلق الوجودي، خوفاً من أن يتحول بلدهم إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية، أو إلى مسرح لحرب لا نهاية لها. وفي ظل هذا المشهد، تبدو الحاجة ملحة إلى مبادرة دولية توقف النزيف، وتعيد الاعتبار للدولة اللبنانية، وتمنع انزلاق البلاد إلى فوضى شاملة.

وفي الختام، يمكن القول إن الموقف الأميركي الأخير ليس مجرد تصريح سياسي، بل هو جزء من معادلة إقليمية معقدة، تتداخل فيها المصالح والحسابات، وتنعكس مباشرة على لبنان وشعبه. وبينما تستمر الحرب في حصد الأرواح وتدمير البنى التحتية، يبقى السؤال الأكبر: هل يتحول هذا الغطاء الأميركي إلى ضوء أخضر لمرحلة جديدة من التصعيد، أم أنه مجرد محاولة لضبط الإيقاع ومنع الانفجار الكبير؟ الإجابة لا تزال معلّقة، لكن المؤكد أن لبنان يعيش اليوم واحدة من أكثر لحظاته خطورة، وأن الشعب اللبناني يدفع ثمن صراع لا يملك القدرة على التحكم بمساره أو نتائجه، فيما تواصل بيروت تايمز نقل الصورة الكاملة، بكل أبعادها الإنسانية والسياسية، في محاولة لتوثيق الحقيقة وسط دخان الحرب.

 

* جورج ديب هو كاتب ومحلّل سياسي لبناني، يقدّم قراءات معمّقة للشأنين اللبناني والإقليمي، مع تركيز خاص على قضايا السيادة، الإصلاح، والعلاقات الدولية. ينشر مقالاته وتحليلاته في عدد من المواقع الإخبارية، حيث يقدّم مقاربات تجمع بين العقلانية والبعد الإنساني، وتربط بين التطورات المحلية والتحولات الدولية الكبرى.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment