اخْتَارَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ وَحَمَّلَهُ رِسَالَةً. دَعَاهُ مِنْ أَرْضِهِ وَعَشِيرَتِهِ، وَوَعَدَهُ بِأَرْضٍ جَدِيدَةٍ وَسَمَاءِ جَدِيدَةٍ.
فَارْتَحَلَ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ مَنْ دَعَاهُ صَادِقٌ فِي وَعْدِهِ، سَائِرًا بِالإيمَانِ نَحوَ صِدقِ الكَلِمَة.
هَذَا الإِيمَانُ جَعَلَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَطَنًا لِكُلِّ شُعُوبِ الأَرْضِ.
فَوَطَنُ الرِّسَالَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ أَرْضٍ نُولَدُ عَلَيْهَا، وَلَا حُدُودًا تُرْسَمُ عَلَى الْخَرَائِطِ.
الوَطَنُ، فِي سِرِّهِ الْعَمِيقِ، دَعْوَةٌ تُزْرَعُ فِي الْقَلْبِ.
قَدْ تَجْمَعُ الأَرْضُ النَّاسَ، لَكِنَّ الرِّسَالَةَ تَجْمَعُ الأَرْوَاحَ.
وَقَدْ يَصْنَعُ التَّارِيخُ أَوْطَانًا، لَكِنَّ الرِّسَالَةَ تَصْنَعُ مَعْنَى الْوُجُودِ.
حِينَ يَبْقَى الْوَطَنُ أَرْضًا فَقَطْ، يَسْكُنُهُ الإِنْسَانُ.
أَمَّا حِينَ يَصِيرُ رِسَالَةً، فَيَسْكُنُ الْوَطَنُ فِي الإِنْسَانِ.
عِنْدَهَا يَتَحَوَّلُ الاِنْتِمَاءُ:
مِنْ تَعَلُّقٍ بِالتُّرَابِ…
إِلَى أَمَانَةٍ فِي الْقَلْبِ.
الوَطَنُ الرِّسَالَةُ لَيْسَ قُوَّةً فِي الْعَالَمِ، بَلْ نُورًا فِيهِ.
لَيْسَ اتِّسَاعًا فِي الأَرْضِ، بَلْ اتِّسَاعًا فِي الْمَعْنَى.
يُشْبِهُ الْقَلْبَ فِي الْجَسَدِ: صَغِيرٌ فِي حَجْمِهِ، لَكِنَّ نَبْضَهُ يَصِلُ إِلَى كُلِّ الأَطْرَافِ.
كَمِصْبَاحٍ فِي اللَّيْلِ، يُبَدِّدُ نُورُهُ الظُّلْمَةَ.
حِينَ يَكْتَشِفُ الإِنْسَانُ أَنَّ وَطَنَهُ رِسَالَةٌ، يَفْهَمُ أَنَّ الأَرْضَ لَيْسَتْ مِلْكًا لَهُ، بَلْ أَمَانَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَيَفْهَمُ أَنَّ الْوَطَنَ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَارِيخٍ مِنَ الْمَاضِي، بَلْ دَعْوَةٌ حَيَّةٌ فِي الْحَاضِرِ، تُكْتَبُ كُلَّ يَوْمٍ بِأَعْمَالِ الْبَشَرِ.
عِنْدَهَا يَتَغَيَّرُ مَعْنَى حُبِّ الْوَطَنِ:
فَلَا يَعُودُ تَعَصُّبًا لِلأَرْضِ… بَلْ مَحَبَّةً لِلإِنْسَانِ.
لَيْسَ الْوَطَنُ الرِّسَالَةُ فِكْرَةً يَصْنَعُهَا الإِنْسَانُ،
بَلْ دَعْوَةٌ يَضَعُهَا اللَّهُ فِي التَّارِيخِ.
يَخْتَارُ لَهَا أَرْضًا صَغِيرَةً…
لِيَجْعَلَ مِنْهَا قَلْبًا كَبِيرًا لِلْعَالَمِ.
فَإِذَا اطْمَأَنَّ قَلْبُ الإِنْسَانِ لِرِسَالَتِهِ، صَارَ الْوَطَنُ نُورًا.
وَإِذَا خَانَهَا، تَحَوَّلَتِ الأَرْضُ إِلَى تُرَابٍ صَامِتٍ.
لِأَنَّ الْوَطَنَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ مَا نَمْلِكُ، بَلْ مَا يَجْعَلُنَا أَكْثَرَ إِنْسَانِيَّةً، وَيُعَزِّزُ قُدْرَتَنَا عَلَى حَمْلِ نُورِ الْخَيْرِ إِلَى الْعَالَمِ.
بَدَلًا مِنْ أَنْ نَلْعَنَ الظُّلْمَةَ… فَلْنُضِئْ شَمْعَةً.
بِسِرِّ اللهِ،
يَعْلَمُ الْقَلْبُ مَا لَمْ تُبْصِرْهُ الأَعْيُنُ.
فَكُلُّ ظُلْمٍ يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ فِي الأَرْضِ يَعُودُ إِلَيْهِ، كَمَا يَعُودُ الْمَاءُ إِلَى النَّهْرِ.
كَأْسُ الِارْتِعَاشِ لَيْسَ عُقُوبَةً فَقَطْ، بَلْ صَمْتٌ دَاخِلِيٌّ يَرْتَجِفُ فِيهِ الإِنْسَانُ بَيْنَ ضَمِيرِهِ وَخَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ.
وَفِي ذَلِكَ الِارْتِعَاشِ نِعْمَةٌ خَفِيَّةٌ:
إِذْ يَنْكَشِفُ الْقَلْبُ أَمَامَ اللَّهِ، وَيَبْدَأُ طَرِيقُ التَّوْبَةِ.
يَا مَنْ سَقَيْتَ لُبْنَانَ كَأْسَ الْعُنْفِ، تَذَكَّرْ:
فِي صَمْتِ لُبْنَانَ، وَفِي صَوْتِ جِبَالِهِ، وَفِي دُمُوعِ شَجَرِهِ، يَشْهَدُ اللَّهُ وَيُعَلِّمُ مَعْنَى التَّوْبَةِ.
تَشْرَبُ مِنَ الكَأْسِ… نَعَم… لِتَرْتَجِفَ، وَلِتَعْرِفَ أَنَّ الرَّحْمَةَ تُولَدُ مِنَ الصِّدْقِ مَعَ الذَّاتِ وَالاعْتِرَافِ بِالْخَطَأِ.
وَفِي النِّهَايَةِ، يَعْلَمُ الْقَلْبُ أَنَّ كُلَّ كَأْسٍ يُشْرَبُ فِي ذِكْرِ اللَّهِ يَتَحَوَّلُ نُورًا يُضِيءُ الدَّرْبَ.
وَيَعْلَمُ الإِنْسَانُ أَنَّ الْعُنْفَ الَّذِي يَفْعَلُهُ لَا يُمَزِّقُ الأَرْضَ وَحْدَهَا، بَلْ يُمَزِّقُ الرُّوحَ أَيْضًا… إِلَّا إِذَا عَادَ إِلَى مَصْدَرِ الْمَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ: اللَّهُ وَحْدَهُ.
وَالآنَ أَدْرَكْتُ عُمْقَ الْقَوْلِ النَّبَوِيِّ الَّذِي أَعْلَنَهُ بابا روما القدّيس جان بول الثاني، خلال زيارتهِ لبنان:
«لُبْنَانُ أَكْثَرُ مِنْ وَطَنٍ… إِنَّهُ رِسَالَةٌ».
أَدْرَكْتُ عُمْقَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ:
فَكُلُّ وَطَنٍ يُنْشَدُ فِيهِ السَّلَامُ وَالْعَدْلُ وَالرَّحْمَةُ، هُوَ أَكْثَرُ مِنْ وَطَنٍ…
أوطانٌ تَحْمِلُ تُرابًا… يُضافُ تُرابُهُم إلى تُرابِها، تَتَدَاخَلُ الجُذُورُ، وَتَتَشَابَكُ الآلامُ مَعَ الذِّكْرَيَاتِ.
وَأوطانٌ تَحْمِلُ رُسُلًا… يُرَوْحِنُونَ تُرابَها فِي الفَضَاءِ الأَعْلَى، فَيَطِيرُ أَثَرُهَا، يَعْلُو … وَيَزْرَعُ نُورًا فِي السَّمَاءِ وَالْقُلُوبِ.
وَعِنْدَمَا يَصِيرُ تُرَابُ الْوَطَنِ رِسَالَةً، لَا يَبْقَى تُرَابًا فَقَطْ… بَلْ يَغْدُو بَابًا بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، يَفْتَحُ مَسَارًا لِلرُّوحِ، لِتَجَلِّي النُّورِ فِي وَسَطِ الحَيَاةِ، وَيَدْعُو القُلُوبَ إِلَى السَّلَامِ وَالصَّلَاة
 
خَرْبَشَاتُ طِفْلٍ،
 بِقَلَمِ الإِبْنِ الضَّالِّ … إِذَا تَابَ.