فرنسوا طانيوس الجردي
في لحظة لبنانية شديدة الحساسية، يبرز طرح رئيس الجمهورية القاضي بطلب مهلة شهر من الولايات المتحدة وإسرائيل لإتاحة الفرصة للدولة اللبنانية كي تعمل على تجريد «حزب الله» من سلاحه. هذا الطرح، في ظاهره، يبدو محاولة سياسية لتجنيب لبنان الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مدمّرة، لكنه في جوهره يفتح نقاشاً عميقاً حول قدرة الدولة اللبنانية، وحدود نفوذها، وإمكان معالجة قضية السلاح خارج إطار الحرب.
من حيث المبدأ، يحمل هذا المقترح بعداً سياسياً مزدوجاً. فمن جهة، هو رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الدولة اللبنانية لا تريد أن تكون غطاءً لأي قوة مسلحة خارج إطارها، وأنها مستعدة لتحمّل مسؤولياتها السيادية إذا مُنحت الفرصة والوقت. ومن جهة أخرى، هو محاولة لتجميد أي عمل عسكري إسرائيلي محتمل عبر إظهار أن هناك مساراً سياسياً داخلياً قيد المعالجة.
لكن السؤال الجوهري يبقى: هل شهر واحد كافٍ لمعالجة قضية معقّدة تراكمت على مدى عقود؟
واقعياً، فإن مسألة سلاح «حزب الله» ليست مجرد ملف أمني يمكن حله بقرار إداري أو إجراء تقني. إنها قضية سياسية – إقليمية مرتبطة بتوازنات داخلية دقيقة، وبشبكة تحالفات إقليمية تمتد إلى إيران، وببنية اجتماعية وعسكرية متماسكة داخل البيئة التي يحتضنها الحزب. وبالتالي فإن نزع هذا السلاح لا يمكن أن يتم إلا ضمن تسوية سياسية شاملة تتجاوز حدود لبنان نفسه.
من هذا المنطلق، تبدو مهلة الشهر أقرب إلى محاولة لشراء الوقت أكثر مما هي خطة عملية مكتملة المعالم. فالدولة اللبنانية، رغم ما تمتلكه من شرعية دستورية، لا تملك حتى الآن الأدوات الواقعية التي تخولها فرض قرار من هذا النوع بالقوة، كما أن أي مقاربة صدامية قد تفتح الباب أمام صراع داخلي لا يحتمله لبنان في ظل انهياره الاقتصادي والمالي.
ومع ذلك، لا يمكن التقليل من رمزية هذه المبادرة. فهي تعيد طرح فكرة استعادة الدولة لدورها السيادي، وتضع الجميع أمام اختبار واضح: هل يمكن للبنان أن يعود دولة طبيعية تحتكر السلاح والقرار العسكري، أم أن توازنات المنطقة ستبقيه ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين؟
في المقابل، ستنظر إسرائيل والولايات المتحدة إلى هذه المهلة من زاوية مختلفة. فهما ستطالبان بخطوات ملموسة لا مجرد وعود سياسية، ما يعني أن الشهر المقترح قد يتحول إلى فترة اختبار حقيقية لمدى قدرة الدولة اللبنانية على اتخاذ إجراءات عملية، ولو تدريجية، تجاه هذا الملف.
في المحصلة، تكمن أهمية هذا الطرح ليس في مدته الزمنية، بل في المسار الذي قد يفتحه. فإذا تحوّل إلى بداية حوار وطني جدي حول استراتيجية دفاعية تضع السلاح تحت سلطة الدولة، فقد يشكّل خطوة أولى نحو إعادة بناء السيادة اللبنانية. أما إذا بقي مجرد مناورة سياسية لتهدئة الضغوط الخارجية، فسيكون مجرد محطة إضافية في مسار طويل من إدارة الأزمات دون حلّها.
لبنان اليوم يقف أمام مفترق طرق واضح: إما أن تنجح الدولة في تحويل مهلة الشهر إلى فرصة لإعادة تثبيت سلطتها، وإما أن تثبت الوقائع مرة جديدة أن القرار في هذا البلد لا يزال أسير موازين القوى الإقليمية أكثر مما هو نتاج إرادة الدولة نفسها.











03/14/2026 - 23:10 PM





Comments