سيلفانا سمعان *
حين تتصاعد المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران، ومع حضور مباشر أو غير مباشر من الولايات المتحدة، لا يبدو السؤال محصوراً بمسار الحرب نفسها. فالحروب في الشرق الأوسط لم تعد مفاجئة بقدر ما أصبحت جزءاً من إيقاع المنطقة السياسي. فأين يقف العالم العربي في مثل هذه اللحظات المفصلية؟ وأي إطار جماعي يفترض أن يتحرك عندما تتحول المنطقة إلى ساحة مواجهة إقليمية قد تتسع في أي لحظة؟ وهل يمكن لمنطقة تضم أكثر من عشرين دولة عربية أن تقف متفرجة على حرب تدور في قلب جغرافيتها السياسية؟ وكيف يمكن تفسير هذا الغياب في لحظة تبدو فيها الحاجة إلى قرار جماعي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى؟ وما هي العوائق التي تمنع قيام مشروع عربي موحد قادر على التحرك في الأزمات الكبرى؟
في مناطق أخرى من العالم، يكاد الجواب يكون بديهياً. لو اندلع نزاع بهذا الحجم داخل أوروبا، فمن الطبيعي أن تتحرك مؤسسات الاتحاد الأوروبي بسرعة. قادة الدول يجتمعون، بيانات مشتركة تصدر، سياسات موحدة تُناقش، وقد يترافق ذلك مع تنسيق أمني مع حلف شمال الأطلسي. أوروبا ليست خالية من الانقسامات، لكنها طورت عبر عقود منظومة مؤسساتية تسمح بتحويل القلق الجماعي إلى قرارات وسياسات مشتركة. فهل كانت حرب بهذا الحجم ستمر في أوروبا من دون قمم طارئة واجتماعات عاجلة؟ وهل كانت العواصم الأوروبية ستكتفي بالمواقف الفردية لو كانت الصواريخ تتطاير في جوارها المباشر؟ وكيف يمكن مقارنة هذا الإطار المؤسسي الأوروبي بما هو موجود في العالم العربي؟
في العالم العربي، تبدو الصورة مختلفة. فالإطار الذي يفترض أن يجمع الدول العربية موجود بالفعل، وهو جامعة الدول العربية، المنظمة التي تأسست عام 1945، أي قبل أن يتشكل الاتحاد الأوروبي نفسه بسنوات طويلة. ومع ذلك، لم تتحول هذه المنظمة يوماً إلى اتحاد سياسي أو اقتصادي قادر على اتخاذ القرار. بقيت أقرب إلى منصة دبلوماسية للتشاور منها إلى مؤسسة تملك أدوات حقيقية لإدارة الأزمات الكبرى. وعندما تتصاعد الحروب، يظهر هذا الفرق بوضوح: الاجتماعات ممكنة، لكن القدرة على الفعل الجماعي محدودة للغاية. فكيف لمنظمة تأسست قبل معظم التكتلات الإقليمية في العالم أن تبقى عاجزة عن التحول إلى إطار فاعل؟ ولماذا لم تتمكن طوال عقود من تطوير أدواتها لتواكب حجم التحولات التي شهدتها المنطقة؟
لفهم هذا الواقع، لا بد من العودة إلى لحظة التأسيس. منذ البداية صُمم النظام العربي بطريقة تعطي الأولوية المطلقة لسيادة الدولة الوطنية. ميثاق الجامعة العربية لم ينشئ سلطة فوق الدول، ولم يمنح المنظمة القدرة على فرض قرارات ملزمة. الدولة التي لا توافق على قرار ما ليست ملزمة بتطبيقه. كان ذلك انعكاساً لمرحلة تاريخية خرجت فيها الدول العربية لتوها من الاستعمار وكانت حساسة للغاية تجاه أي مساس بسيادتها. لكن هذا التصميم نفسه جعل الجامعة العربية إطاراً للتنسيق الدبلوماسي لا مؤسسة قادرة على الحكم أو إدارة الصراعات. فهل كان الخوف على السيادة الوطنية سبباً في إضعاف فكرة العمل العربي المشترك منذ البداية؟ وهل تحولت حماية الدولة الوطنية إلى عائق أمام بناء أي مشروع إقليمي حقيقي؟ وما الذي كان يمكن تغييره منذ البداية ليصبح العمل العربي المشترك أكثر قوة وفعالية؟
ثم جاءت الانقسامات السياسية التي طبعت العالم العربي منذ منتصف القرن العشرين. في الخمسينيات والستينيات انقسمت المنطقة بين مشاريع قومية ثورية قادها جمال عبد الناصر في مصر وبين أنظمة ملكية محافظة في دول مثل السعودية والأردن. لم تعد الجامعة العربية مساحة للتوافق بقدر ما تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة تنافس سياسي بين هذه المعسكرات. الصراع لم يكن على الشعارات، بل على القيادة والنفوذ في المنطقة. فكيف يمكن لمؤسسة إقليمية أن تنجح إذا كانت القوى الأساسية داخلها تتنافس على من يقودها؟ وهل يمكن لأي مشروع وحدوي أن يصمد عندما تتحول السياسة الإقليمية إلى صراع دائم على النفوذ؟.
محاولات الوحدة نفسها لم تنجُ من هذا التنافس. تجربة الجمهورية العربية المتحدة التي جمعت مصر وسوريا أواخر الخمسينيات بدت آنذاك وكأنها خطوة أولى نحو اتحاد عربي أوسع. لكن التجربة انهارت بعد ثلاث سنوات فقط بسبب صراعات السلطة واختلاف المصالح. منذ ذلك الحين ترسخت لدى العديد من الدول العربية قناعة بأن مشاريع الاندماج السياسي قد تتحول إلى هيمنة دولة على أخرى. فهل كان انهيار هذه التجربة بداية تراجع فكرة الوحدة العربية نفسها؟ وهل زرع ذلك الفشل شكاً عميقاً في أي مشروع تكاملي مستقبلي؟ وما الدروس التي يمكن استخلاصها لتجنب فشل أي مشروع عربي مستقبلي؟.
في الوقت نفسه، لم تتطور في المنطقة مؤسسات أمن جماعي حقيقية. أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية بنت منظومتين متكاملتين: الاتحاد الأوروبي لإدارة الاقتصاد والسياسة، وحلف شمال الأطلسي لضمان الأمن المشترك. أما العالم العربي فلم ينجح في إنشاء تحالف دفاعي دائم قادر على التحرك عند الأزمات. لذلك، عندما تندلع الحروب، تتحرك الدول منفردة أو ضمن تحالفات مؤقتة، وليس عبر إطار إقليمي ثابت. فهل يمكن لأي منطقة أن تدير أزماتها الكبرى من دون منظومة أمن جماعي؟ وكيف يمكن التعامل مع الحروب الإقليمية في غياب مؤسسة قادرة على التنسيق العسكري والسياسي بين الدول؟
يزداد المشهد تعقيداً عندما نتذكر أن الشرق الأوسط لا يقتصر على الدول العربية وحدها. فالمنطقة تضم قوى إقليمية غير عربية لها تأثير عسكري وسياسي كبير مثل إيران وتركيا وإسرائيل. هذه القوى جزء أساسي من توازنات المنطقة، وغالباً ما تمتلك أدوات نفوذ استراتيجية تفوق ما تملكه دول عربية كثيرة. نتيجة لذلك لم يتشكل نظام إقليمي واحد متماسك، بل شبكة معقدة من المحاور والتحالفات المتداخلة. فهل يمكن للعالم العربي أن يبني نظامه الإقليمي الخاص في منطقة تتنافس فيها قوى إقليمية متعددة؟ أم أن التوازنات الأوسع في الشرق الأوسط جعلت من الصعب قيام نظام عربي مستقل؟ وما هي الخطوات الممكنة اليوم لبناء هذا النظام العربي المستقل؟
الحرب الحالية بين إسرائيل وإيران، مع الدور الأمريكي، تكشف هذه الحقيقة بوضوح. المنطقة تتحرك وفق منطق الردع والتحالفات المتغيرة، لا وفق آلية جماعية تشمل الدول العربية. بعض الدول تركز على أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي، وبعضها ينشغل بأولويات داخلية أو بصراعات إقليمية مختلفة. اختلاف تعريف المصالح الاستراتيجية يجعل من الصعب بلورة موقف موحد حتى في اللحظات الأكثر خطورة. فهل يمكن لدول تختلف أولوياتها بهذا الشكل أن تتفق على سياسة إقليمية مشتركة؟ وهل أصبح مفهوم “المصلحة العربية المشتركة” فكرة رمزية أكثر منه واقعاً سياسياً؟ وما الأدوات التي يمكن استخدامها لتحويل هذه الفكرة إلى واقع ملموس؟
في نهاية المطاف، المشكلة ليست أن العالم العربي يفتقر إلى مؤسسة تجمعه. المؤسسة موجودة منذ ما يقارب ثمانية عقود. لكن هذه المؤسسة لم تتحول إلى نظام إقليمي قادر على اتخاذ القرار أو فرضه. في أوروبا، المؤسسات صنعت السياسة المشتركة. أما في الشرق الأوسط، فقد منعت السياسة المتنافسة نشوء المؤسسات. فهل يمكن للمنطقة أن تخرج يوماً من هذا المأزق؟ وهل سيبقى الشرق الأوسط فضاءً تتحرك فيه القوى الدولية والإقليمية بينما يظل النظام العربي غائباً عن إدارة أزماته؟ وما الخطوات العملية لبناء قيادة عربية حقيقية اليوم قبل أن تتحول الأزمات إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها؟
هكذا تبدو المنطقة اليوم: مساحة تتقاطع فيها القوى الإقليمية والدولية، وتندلع فيها الحروب بسرعة، لكن من دون إطار إقليمي قادر على تنظيمها أو احتوائها. وفي كل مرة تتصاعد فيها الأزمات، يعود السؤال نفسه ليطرح من جديد: كيف يمكن لمنطقة بهذا الحجم الجغرافي والسياسي أن تبقى بلا نظام إقليمي قادر على إدارتها؟ وهل سيبقى العالم العربي خارج معادلة القرار في الحروب التي تدور في قلبه؟,
* سيلفانا سمعان هي إعلامية لبنانية معروفة بظهورها في البرامج الاجتماعية والإنسانية، حيث برزت بأسلوبها الهادئ والمهني في معالجة قضايا الناس وتسليط الضوء على الملفات الحساسة بطريقة راقية ومسؤولة.











03/14/2026 - 02:27 AM





Comments