شبل الزغبي
هذه الجملة وحدها تلخّص تاريخ القيادة العسكرية في لبنان: تردد في اللحظة الحاسمة، ثم خراب يدوم عقوداً. من ١٩٥٨ إلى اليوم، تبدّلت الأسماء وبقيت العقيدة. والسؤال الذي لا مفر منه: هل ستتكرر الجريمة مرة أخرى؟ وجريمة القيادة العسكرية أنها لم تتحرك حين كان التحرك ينقذ وطناً.
من ١٩٥٨ إلى ١٩٧٥، حين كانت المبادرة ممكنة ومشروعة، جاء القرار: لا نتدخل كي لا نتفرق. فتفرقنا على أي حال وبشكل أبشع. الدرس الذي كتبه الدم: الصمت والتردد في لحظة الحسم لا يحميان من الكارثة بل يؤجلانها ويضاعفون ثمنها. المبادرة المؤلمة في الوقت الصحيح أشرف وأرحم ألف مرة من الشلل الذي ينتهي بالخراب الشامل
اليوم، لم يتغير شيء في جوهر المعادلة. قائد الجيش الحالي نتاج بيئة عقائدية نشأت في ظل الاحتلال السوري وتكيّفت مع النفوذ الإيراني الممتد عبر حزب الله. هذه ليست تهمة بل واقع.
جيل بعد جيل، تولّى قادة الجيش رئاسة الجمهورية. أربعة رؤساء من رحم هذه المؤسسة. وفي كل مرة، حملوا معهم إلى القصر الجمهوري نفس المنطق: "المساكنة" التي تُسمّى أحياناً حكمة وأحياناً تجنّب الفتنة، ولا تكون في جوهرها إلا استسلاماً متدرجاً وتبعية. وكانت المحصلة لبنان الذي نعيشه: مُفلس، مُهان، مُستباح.
ما يجري في المنطقة من تحولات جذرية هو فرصة تاريخية لا تتكرر، فرصة لخروج لبنان من المحور المدمر الذي أطاح اقتصاده وسيادته وشبابه. لكن هذه الفرصة تتطلب قائد جيش لديه جرأة التصدّي لحزب متمرد على الدولة لا قائد ينظر إلى التحولات من نافذة عقائد الأمس.
١٩٥٨ التفرج على الأزمة بحجة الحياد، ١٩٦٩ اتفاق القاهرة: تسليم السيادة على الجنوب بتوقيع رسمي، ١٩٧٣ عدم إنهاء المهمة حين كانت الفرصة متاحة، ١٩٧٥ عدم التدخل لوقف الحرب خشية الانقسام ، فانقسم الجيش نفسه وتمزق الوطن.
واليوم ، الاستمرار بعقيدة التكيّف مع المحور الإيراني في لحظة تاريخية تُعيد رسم المنطقة.
لمن يتهمنا بالهجوم على المؤسسة: نحن نحترم الجيش ونجلّ ضباطه وجنوده الشرفاء الذين قدموا التضحيات. لكن الوفاء الحقيقي للمؤسسة العسكرية يقتضي قيادة تستطيع أن تنفصل عن عقائد مدمرة أضرّت بلبنان عقوداً. الشرف ليس في الاستمرار، الشرف في إدراك متى يكون التنحّي خدمةً للوطن.
لبنان الجديد الذي يُبنى اليوم على أنقاض المشروع الإيراني المتهاوي في المنطقة يحتاج قائداً للجيش يأخذ المبادرة، وليس التضامن مع محاور مدمرة، لا تكيّف مع هيمنات، لا وراثة لأخطاء الماضي.
التاريخ علّمنا أن التردد والصمت في لحظة الحسم لا يُنقذان الوطن، بل يُسلّمانه للأسوأ.
قائد الجيش يمثّل عقيدة أثبت التاريخ إفلاسها. لا جدوى في الاستمرار بالإضرار. الرحيل إن لم يأتِ طوعاً، يجب أن يُفرض بإرادة داخلية أو دولية.
لبنان لا يحتمل دورة خراب جديدة.











03/13/2026 - 19:01 PM





Comments