رشيد ج. مينا
يطرح الإنسان على نفسه سؤالًا جوهريًا: هل نملك حقًا خيار التغيير والتحرر من قيود الواقع، أم أننا أسرى البيئة والمحيط؟
فالطفل، مثلًا، يولد صفحة بيضاء، سرعان ما تُخطّ فوقها تجارب الأهل والرعاة والمجتمع، فيتشكل وعيه وسلوكه وفق ما يتلقنه من قيم وعادات وأفكار. ومع مرور الزمن، يترسّخ هذا الموروث في ذاكرته حتى يصبح جزءًا من شخصيته ومن رؤيته للحياة.
لكن، حين يكبر الإنسان، هل يستطيع أن يعيد النظر؟ هل يمكنه التحرر من كل ما تراكم في داخله، ليصوغ فكرًا جديدًا ورؤية مغايرة؟
الإجابة ليست سهلة. فالتغيير ليس غيابًا للخيار، بل هو قدرة على السير في أي من الخيارات المتاحة. وهذه القدرة تحتاج إلى:
بيئة حاضنة تسمح للفرد أن ينمو ويتعلم ويختبر.
معطيات وظروف مناسبة تمنحه الأدوات والمعرفة والوسائل.
إرادة واستعداد داخلي للتخلي عن الموروثات التي قد تبدو راسخة.
شجاعة لمواجهة الجمود والصنمية الفكرية التي تقيد العقول.
قوة نفسية لتجاوز العوائق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وهنا يظهر الفارق بين من يرى الطريق ويظل واقفًا، وبين من يقرر السير فيه رغم وعورته. فالتغيير ممكن، لكنه لا يحدث بالصدفة، بل بالوعي أولًا، ثم بالإرادة والشجاعة والمثابرة.
ولعل جوهر الفكرة أن الإنسان ليس سجينًا أبديًا لظروفه، مهما كانت قاسية. قد نُولد في بيئات فقيرة أو محبطة، لكننا نملك دومًا بذرة الحرية الكامنة في داخلنا. هذه البذرة لا تنبت إلا إذا سقيناها بالمعرفة، وروّيناها بالشجاعة، وفتحنا لها فسحة أمل في غدٍ مختلف.
إن السؤال الأعمق ليس: هل هناك خيارات؟ بل: هل نملك القدرة والشجاعة على أن نختار، ونمضي في طريق اختيارنا؟
لا شك أن البيئة الجديدة والظروف المتغيرة قد تفتح أمامه فرصًا لمراجعة الذات، لكن التغيير لا يكون ممكنًا من دون وعي عميق بالواقع، وإرادة صلبة، واستعداد للتخلي عن الجمود ومواجهة المعوقات. فليست المشكلة في وجود خيارات، بل في القدرة على السير في أي منها، وهو أمر يتطلب بيئة ملائمة ومعطيات تساعد على التحرر.
إن الخيار موجود نظريًا أمام كل إنسان، لكن القدرة على التغيير والتحرر لا تأتي إلا بالشجاعة والمعرفة، وبالإرادة التي تكسر قيود الموروث وتفتح الطريق نحو حياة أرحب. فالتحرر يبدأ من الداخل، ومن يملك الجرأة على مراجعة ذاته، يستطيع أن يصنع غدًا مختلفًا مهما قست الظروف.











03/13/2026 - 16:00 PM





Comments