بيار مارون *
انعدام الثقة في الحكومة اللبنانية أخطر من ضعفها السياسي والاقتصادي والعسكري. إنه نهاية الطريق السلمي لاستعادة لبنان سيادته واستقلاله ووحدة أراضيه.
عرف العالم لبنان بشعبه وبمؤسساته رغم الفساد، رغم الحروب، رغم الإخفاقات المتكررة. وعلى هذه الثقة تحديدًا، لا على القوة العسكرية ولا على الثروة، بنى لبنان قضيته أمام العالم وأبقاها حيّة.
في نيسان ١٩٩٦، شنّت إسرائيل عملية “عناقيد الغضب”، فاستهدفت مناطق مدنية في الجنوب والبقاع، وأفضت إلى مجزرة قانا التي صدمت العالم. لكن لبنان لم يكتفِ بتلقي المأساة — تحرّك رفيق الحريري دبلوماسيًا بكل ثقله، عبر قنواته الدولية واتصالاته المباشرة مع واشنطن.
في تلك الفترة، حضرت استقبال الكونغرس للرئيس الحريري، إذ كنت أعمل مساعدًا تشريعيًا في مكتب النائب فيل إنغليش “Phill English / Capitol Hill” ولاحظت حجم التقدير الذي لقيه من أعضاء اللجان والقيادات التشريعية— رجل يحمل بلدًا صغيرًا مجروحًا ويجعل العالم يسمعه.
أفضت تلك المساعي إلى اتفاق نيسان ١٩٩٦، الذي تضمّن التزامًا متبادلًا بعدم استهداف المدنيين، وإنشاء لجنة مراقبة دولية، وتكريس واقع تفاوضي أخذ في الاعتبار وجود مقاومة مسلّحة من دون أن يمنحها شرعية صريحة. وكان الاتفاق نقطة تحوّل منح المقاومة غطاءً سياسيًا دوليًا، ومهّد بعد أربع سنوات لانسحاب إسرائيل من الجنوب عام ٢٠٠٠. لكن هذا الغطاء كان لحزب الله، لا للبنان.
في حرب ٢٠٠٦، عمل السنيورة مع كوندوليزا رايس، وأفضت خطته السباعية إلى القرار ١٧٠١ ووقف إطلاق النار. وبعدها، أعاد العالم العربي والدولي — وفي مقدمته الخليج — إعمار لبنان والضاحية الجنوبية معًا. كان ذلك دليلًا على ثقة العالم بالدولة اللبنانية.
منذ حرب إسناد غزة ٢٠٢٣، وبعد إسناد إيران ٢٠٢٦، تبدّلت المعادلة. الحكومة اللبنانية لم تنفّذ ما التزمت به في اتفاق ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤، لم تنزع سلاح حزب الله، ولم تصارح أحدًا بعجزها عن ذلك. وهذا الصمت كلّفها ما لا يعوَّض: الثقة.
حين تفقد الدولة اللبنانية هذه الثقة، تفقد معها الأداة الوحيدة التي جعلت منها طرفًا يُفاوَض معه، ويُدعم، ويُعاد إعماره. وحين تنتهي هذه الثقة، ينتهي معها الطريق السلمي.
* محلل استراتيجي











03/13/2026 - 15:44 PM





Comments