فرنسوا طانيوس الجردي
في كل الحروب، يبحث المدنيون عن مكان يحتمي بهم من القصف والدمار. وفي لبنان، كما في كثير من البلدان التي تعيش ظروفاً أمنية صعبة، تتحول المدارس والقاعات العامة والمؤسسات الرسمية إلى مراكز إيواء تستقبل آلاف العائلات النازحة. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذه الأماكن التي يُفترض أن تكون ملاذاً آمناً قد تتحول في لحظة إلى أهداف محتملة في قلب المعركة، إذا اعتُقد أنها تحتوي على نشاط عسكري.
في ظل المواجهة المستمرة بين إسرائيل وحزب الله، يبرز سيناريو خطير يتمثل في احتمال استهداف مراكز الإيواء إذا تسرّبت معلومات أو شبهات عن وجود عناصر مسلحة داخلها أو في محيطها. وهذا الاحتمال، على قسوته، ليس بعيداً عن منطق الحروب الحديثة التي تقوم على ضرب أي موقع يُعتقد أنه يحمل قيمة عسكرية، حتى لو كان داخل مناطق مدنية مكتظة بالسكان.
تكمن خطورة هذا السيناريو في أن مراكز الإيواء تضم عادة مئات المدنيين، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن الذين فرّوا من القصف بحثاً عن الأمان. وفي حال تعرّض أحد هذه المراكز للاستهداف، فإن النتيجة قد تكون كارثة إنسانية بكل المقاييس، ليس فقط بسبب عدد الضحايا المحتمل، بل أيضاً بسبب الانهيار النفسي والاجتماعي الذي قد يصيب مجتمعاً بأكمله.
كما أن مثل هذا الحدث قد يؤدي إلى موجة نزوح جديدة، إذ يفقد الناس ثقتهم بالملاجئ التي لجأوا إليها. فحين يشعر المدني أن المدرسة أو القاعة التي احتمى بها قد تصبح هدفاً للقصف، فإنه لن يجد مكاناً يشعر فيه بالأمان.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في القصف نفسه، بل في اختلاط الطابع المدني بالمظاهر العسكرية. فعندما تتحول الأماكن الإنسانية إلى مناطق رمادية بين المدني والعسكري، يصبح المدنيون أنفسهم عرضة للخطر.
في الحروب المعاصرة، تُعدّ هذه المسألة من أكثر القضايا حساسية. فالقانون الدولي الإنساني يفرض حماية المدنيين، لكنه في الوقت نفسه يضع هذه الحماية تحت ضغط شديد عندما يُعتقد أن موقعاً مدنياً يُستخدم لأغراض عسكرية.
لذلك، فإن الحفاظ على الطابع الإنساني الخالص لمراكز الإيواء ليس مسألة تنظيمية فحسب، بل هو ضرورة وجودية لحماية حياة الناس.
إن تفادي هذا السيناريو الكارثي يتطلب مجموعة من الإجراءات الواضحة. أولها إبقاء مراكز الإيواء خالية تماماً من أي مظاهر مسلحة أو نشاط عسكري، سواء داخلها أو في محيطها المباشر. كما يجب أن تبقى إدارتها بيد الجهات المدنية والإنسانية مثل البلديات والمؤسسات التربوية والجمعيات الإغاثية.
ومن الضروري أيضاً تنظيم وجود النازحين داخل هذه المراكز، وتسجيل المقيمين فيها، ومنع أي استخدام قد يعرّضها لخطر التحول إلى هدف عسكري. كذلك يمكن أن يلعب التنسيق مع الجهات الإنسانية الدولية دوراً مهماً في تثبيت صفة هذه المراكز كمواقع مدنية مخصصة حصراً لحماية النازحين.
في زمن الحروب، لا تكون المدارس مجرد أبنية تعليمية، بل تتحول أحياناً إلى خطوط الدفاع الأخيرة عن المدنيين. ومن هنا فإن حماية مراكز الإيواء ليست مسؤولية مؤسسة أو جهة واحدة، بل هي مسؤولية مجتمع بأكمله.
فالملجأ الذي يفقد طابعه الإنساني يتحول بسرعة إلى خطر على من فيه. أما الملجأ الذي يبقى بعيداً عن الصراع العسكري، فيبقى مساحة للحياة في قلب الحرب. وفي بلد يعيش أزمات متراكمة مثل لبنان، يصبح الحفاظ على هذه المساحات الإنسانية ضرورة وطنية، لأن حماية المدنيين اليوم هي في النهاية حماية لمستقبل المجتمع كله.











03/13/2026 - 11:42 AM





Comments