لماذا نخشى الديموقراطية ؟

03/12/2026 - 14:56 PM

Arab American Target

 

 

كنب بركات شاهين

المباحثات السورية الأوروبية توقفت عام 2003 نتيجة تعنّت الموقف السوري في الملفات السياسية، ولا سيما ما يتعلق بالمقاربة التشريعية مع الاتحاد الأوروبي في قضايا الحريات العامة، وتشكيل الأحزاب، وبناء نظام ديمقراطي حقيقي. في تلك المرحلة تحدث رئيس النظام البائد مراراً عن ما سماه "الخصوصية السورية" في مجال الحريات والديمقراطية، في إشارة واضحة إلى محاولة إيجاد صيغة سياسية تُبقي جوهر النظام القائم على الحكم الفردي والقبضة الأمنية والمركزية الشديدة في السلطة، مع إضفاء مظهر إصلاحي شكلي عليه.

‎وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا تخشى الأنظمة القمعية إطلاق الحريات وبناء قاعدة ديمقراطية حقيقية؟

‎إنّ الأنظمة السلطوية بطبيعتها تقوم على احتكار القرار السياسي والاقتصادي والإعلامي، ولذلك فإن أي انفتاح ديمقراطي حقيقي يعني بالضرورة تقليص سلطتها وخضوعها للمساءلة الشعبية والقانونية. فالديمقراطية تقوم على تداول السلطة، والفصل بين السلطات، وحرية التعبير والتنظيم السياسي، وهذه المبادئ تشكل تهديداً مباشراً لبنية النظام الاستبدادي الذي يعتمد على السيطرة المطلقة ومنع أي قوة اجتماعية أو سياسية من منافسته.

‎كما أن إطلاق الحريات يفتح المجال أمام المجتمع المدني والأحزاب السياسية والإعلام المستقل، وهو ما يسمح بظهور بدائل سياسية قادرة على محاسبة السلطة أو حتى استبدالها عبر صناديق الاقتراع. لذلك ترى الأنظمة القمعية في الديمقراطية مخاطرة وجودية، وليس مجرد إصلاح سياسي.

‎ومن هنا يطرح سؤال آخر: هل يحق لكل دولة أن تفصل الديمقراطية على هواها؟

‎صحيح أن لكل مجتمع خصوصياته الثقافية والتاريخية، لكن المبادئ الأساسية للديمقراطية ليست قابلة للتجزئة أو التفصيل وفق رغبة السلطة. فحرية التعبير، وحق تشكيل الأحزاب، واستقلال القضاء، وشفافية الانتخابات، هي قواعد عالمية تشكل الحد الأدنى لأي نظام ديمقراطي حقيقي. وعندما يتم الحديث عن "خصوصية" لتبرير تقييد هذه المبادئ، فإن الأمر غالباً لا يكون سوى محاولة لإضفاء الشرعية على الاستبداد.

‎لقد أظهرت الثورة السورية في بداياتها، حين خرج السوريون إلى الشوارع بعفوية كبيرة، تعطش الشعب السوري للحرية والكرامة. وقد ذكّرت تلك اللحظات التاريخية كثيرين بأيام الوحدة مع مصر، حين كان الأمل بالمستقبل العربي المشترك والعدالة الاجتماعية حاضراً بقوة في وجدان الناس. غير أن الخشية اليوم تكمن في أن يتم، بعد كل التضحيات، إعادة إنتاج أساليب العهد البائد في الحكم، عبر أنماط جديدة من السلطة قد تعيد القيود نفسها على الحريات والديمقراطية، وإن بأسماء أو شعارات مختلفة.

‎إن تجربة السوريين مع الاستبداد، وخاصة في عهد الأسدين، أظهرت بوضوح كيف يمكن لغياب الديمقراطية أن يؤدي إلى إضعاف الدولة والمجتمع معاً. لذلك فإن بناء مستقبل مستقر لسوريا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال نظام سياسي يقوم على المشاركة الشعبية، واحترام الحقوق، وسيادة القانون.

‎ومن المهم التذكير بأن سوريا عرفت أشكالاً من الممارسة الديمقراطية قبل الاستقلال وبعده، حيث شهدت الحياة السياسية تعددية حزبية وانتخابات وبرلماناً فاعلاً في مراحل مختلفة من تاريخها. كما أن الموروث الإسلامي ذاته يحض على الحرية والعدل، ويشجع على قول الحق في وجه الحاكم الظالم، وهو ما يؤكد أن الديمقراطية ليست غريبة عن ثقافتنا أو تاريخنا.

إن الخوف الحقيقي لا ينبغي أن يكون من الديمقراطية، بل من غيابها. فالديمقراطية ليست تهديداً للدولة، بل هي الضمانة الأساسية لحماية المجتمع من الاستبداد، ولتحقيق الاستقرار والعدالة والتنمية. ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: لماذا نخشى الديمقراطية؟ بل: كيف نبني ديمقراطية حقيقية تحمي الوطن وتصون كرامته. والشعب السوري يستحق بعد معاناة أن يلتقط الأنفاس و يعيش حياة ديمقراطية يقرّبه من شعوب العالم و لا يعيش غريبا عنها.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment