رشيد ج. مينا
الشرق الأوسط - وهي تسمية سياسية أكثر منها جغرافية - ليس مجرد مساحة جغرافية عادية، بل منطقة تختزن أكبر احتياطي عالمي من النفط والطاقة، وتتحكم في أهم الممرات والمفاصل التي تربط العالم ببعضه. لذلك، فإن ما يجري فيه اليوم لم يكن وليد اللحظة، ولا نتيجة استفزازٍ عابر، بل هو مسار طويل من التخطيط والتنفيذ جرى على مراحل، وما نشهده الآن ليس إلا مرحلة من مراحله، ولن تكون الأخيرة.
في هذا المسار، كانت الولايات المتحدة الأمريكية، ومعها القاعدة المتقدمة للمشروع الصهيوني، إسرائيل، من أكثر الأطراف استثمارًا في مسار التغيير في المنطقة. فمنذ إسقاط نظام الشاه في إيران وقيام الجمهورية الإسلامية، وطرح مفهوم “تصدير الثورة”، بدأت مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
ثم جاء تدمير العراق ونظامه القومي ونهب مقدراته، وتسليم إدارة البلاد لنفوذ إيراني واسع، رغم أن العراق كان قد خاض مع إيران حربًا طويلة امتدت ثماني سنوات، وكانت في جوهرها عائقًا أمام التمدد الإيراني الذي استُثمر لاحقًا أمريكيًا وإسرائيليًا، على الرغم من كل شعارات “الموت لأمريكا” و“الموت لإسرائيل”.
ومن هناك، بدأ التمدد والفوضى يتسعان نحو سوريا ولبنان واليمن، وصولًا إلى غزة. وفي جوهر هذا التمدد، جرى استهداف الحضور السني ودوره في المنطقة، وترافق ذلك مع حملة واسعة لشيطنة السنة وربط حراكهم بالإرهاب، مهما كانت عناوين هذا الحراك أو دوافعه. وقد استُثمرت أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر في تعميق هذا المسار وتعميمه، ثم جاءت سلسلة الصراعات والاستهدافات التي طالت ليبيا والسودان وغيرها من الدول.
أما المرحلة التي نعيشها اليوم، ومع تجدد المواجهة مع إيران، فقد وجدت الإدارة الأمريكية، ومعها إسرائيل، فرصة لإعادة إيران إلى الحجم المطلوب لها داخل حدودها، من دون إسقاط النظام أو إدخال البلاد في فوضى شاملة قد تنعكس نتائجها سلبًا على المنطقة. المطلوب، على الأرجح، ليس تغيير النظام بقدر ما هو تعديل في الوظيفة وتغيير في الوجوه.
وفي هذا السياق، فإن الردود الإيرانية التي تطال بعض دول الخليج العربي لا تبدو خارج هذا المسار، بل قد تندرج ضمن سياق أوسع يهدف إلى إضعاف الواقع العربي أكثر، بعد أن تم إنهاك ما سُمّي سابقًا بدول “الصمود والتصدي”، والانتقال لاحقًا إلى الضغط على الدول العربية الاقتصادية الأهم، التي لم تدخل تاريخيًا في حروب مباشرة مع إسرائيل، لكنها حافظت على علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة.
إنه مسار مستمر يقود في النهاية إلى تحقيق الأهداف الإسرائيلية، بما ينسجم مع الاستراتيجية الأمريكية القائمة على السيطرة الكاملة على المنطقة، وتشديد الحصار على الصين، وإبقاء أوروبا في موقع التبعية الدائمة للقرار الأمريكي. وحتى السياسات الاقتصادية مثل الرسوم الجمركية التي تبناها دونالد ترامب لا تبدو منفصلة عن هذا السياق الأوسع.
أما لبنان، الذي لم يخرج يومًا من دائرة صراع القوى والمصالح، فلا يبدو أنه قريب من الخروج من هذا الدور. فحتى لو جرى التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، سيبقى لبنان ساحة ضغط، والخاصرة التي يمكن من خلالها التأثير في العمق العربي، إلى أن تتحقق الأهداف الإسرائيلية المتمثلة في التوسع وفرض الاستسلام وفرض الهيمنة والنفوذ الإسرائيلي، تحت المظلة الاستراتيجية الأمريكية.
يبقى السؤال الكبير: كيف أنه، رغم كل ما حصل ويحدث من اتساع الاعتداءات والتدمير — الذي طال لبنان وفلسطين وسوريا والعراق واليمن، ووصلت ارتداداته إلى دول الخليج — لم تتعرض المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية في العالم إلى استهدافات جدية وفعّالة، بينما كانت هذه المصالح تتعرض سابقًا لضربات عند أحداث أقل بكثير مما نشهده اليوم؟
أمام هذا الواقع، يصبح اللبنانيون مدعوين إلى استيعاب حجم التحديات التي تهدد بلدهم، وما ينتظرهم في المرحلة المقبلة. فالمسألة تتجاوز بكثير مسألة سلاح حزب الله، إذ إن إسرائيل سبق أن اجتاحت لبنان ووصلت إلى بيروت، ودخلت قوات المارينز الأمريكية إلى أراضيه، ومع ذلك لم يستعد لبنان دولته القوية ولا حضوره الفاعل.
وفي المقابل، يبدو العرب اليوم أكثر من أي وقت مضى بحاجة إلى وعي أهمية وحدتهم، وتطوير رؤيتهم المشتركة، وتعزيز حضور مشروعهم السياسي والاقتصادي، وتكامل قدراتهم، وإعادة صياغة علاقاتهم مع العالم وفق مصالحهم وأولوياتهم وحقوقهم. فالعرب يجب أن يكونوا شركاء في رسم مستقبل المنطقة، لا شهود زور، ولا مجرد متلقين لما يُفرض عليهم من خارج إرادتهم
إن ما يجري في الشرق الأوسط ليس سلسلة أحداث منفصلة، بل مسار طويل لإعادة تشكيل المنطقة وفق توازنات جديدة تُرسم بقوة المصالح والنفوذ. وأمام هذا الواقع، يصبح على اللبنانيين أولًا أن يدركوا أن التحدي الذي يواجه بلدهم يتجاوز مسألة السلاح أو الصراع الداخلي، لأنه جزء من صراع أوسع على موقع لبنان ودوره في هذه الخريطة المتغيرة. وفي المقابل، تبدو الحاجة العربية اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى إلى استعادة الوعي بأهمية الوحدة، وتوحيد الرؤية والمصالح، وبناء مشروع عربي قادر على حماية المصالح المشتركة وصوغ علاقات متوازنة مع العالم.
فالعرب، إن لم يكونوا شركاء في رسم ما يُخطَّط للمنطقة، سيبقون شهودًا على ما يُفرض عليهم، أو متلقّين لنتائجه. أما الوعي بوحدة المصالح وتكامل القدرات، فهو الطريق الوحيد كي يتحول حضورهم من موقع المتأثر بما يجري إلى موقع الفاعل في رسم مستقبل المنطقة.











03/12/2026 - 14:33 PM





Comments