الحرب على ايران انتهت، وتطور شيعي اقليمي "كبير"

03/12/2026 - 13:20 PM

Prestige Jewelry

 

 

بقلم: ناجي علي أمهز

تزدحم أروقة النخب السياسية العالمية بقراءات استراتيجية تحاول رسم حدود التماس الجديدة في المنطقة، وهي قراءات يبدو أنها بدأت تضع النقاط على الحروف في صراع تجاوز بكثير مجرد الاشتباكات العسكرية التقليدية.

في تطور لافت، وبالرغم من محاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإيحاء بأن جهة غير أمريكية كانت وراء قصف مدرسة ابتدائية في مدينة "ميناب" الإيرانية بصواريخ "توماهوك" في 28/2/2026، إلا أن التحقيقات العسكرية الأمريكية قطعت الشك باليقين، وخلصت إلى مسؤولية الولايات المتحدة المباشرة عن هذا الحادث.

هذا الاعتراف الصريح أثار عاصفة من الاستياء داخل الكيان الإسرائيلي ولدى اللوبيات الصهيونية في واشنطن، التي رأت في الشفافية الأمريكية محاولة لإظهار الولايات المتحدة كدولة متحضرة وإنسانية، ولكن على حساب السمعة الإسرائيلية واليهودية عالمياً. وبينما مارست قوى ضغط هائلة نفوذها لـ"لفلفة" الملف بذريعة الحفاظ على معنويات الجنود في الحرب الكبرى ضد إيران، أصرت كتل وازنة في الحزبين الديمقراطي والجمهوري على الذهاب بالتحقيق إلى نهايته ومحاسبة المتورطين.

النقاش الدائر اليوم في الأوساط الأمريكية يتجاوز مجرد "خطأ عسكري"؛ فالسؤال الذي يطرحه الناشطون والساسة هو: إذا كانت أمريكا، وهي في ذروة حرب كبرى، تخضع قياداتها للمحاسبة بسبب قصف مدرسة سقط فيها العشرات، فمن سيحاسب إسرائيل على قتل عشرات الآلاف من الأطفال في غزة ولبنان؟

هذا التساؤل زاد من عزلة إسرائيل وقد بدات دول غربية في مقدمتها اسبانيا بالاعتراض العلني على كا ما يتعلق بالكيان الذي انزلق فعلياً إلى مربع "إرهاب الدولة" العالمي. وهناك اصوات تجد ان عضوية اسرائيل في مجلس الامن والامم المتحدة يتنافى مع كافة المعايير الدولية.

حتى الداخل اليهودي الليبرالي في أمريكا لم يعد قادراً على الصمت؛ حيث تشير التقارير إلى أنهم طالبوا الرئيس ترامب بوقف مساعيه للتوسط أو طلب العفو عن بنيامين نتنياهو. والمعلومات المؤكدة تشير إلى أن نتنياهو قد تبلغ رسمياً بأنه سيواجه المحاكمة فور توقف الحرب، وهو ما دفع ترامب لمطالبة الإسرائيليين بوضوح بالتوقف عن استهداف المنشآت المدنية في ايران.

على مقلب آخر، رصدت الدوائر الغربية ظاهرة سوسيولوجية وسياسية قد تكون غابت عن الكثيرين، لكنها تحمل نتائج زلزالية لمستقبل المنطقة. هذه الظاهرة تتعلق بإعادة فهم "التركيبة الشيعية" في العالم العربي والإسلامي، خاصة بعد الأحداث التي تلت اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران.

ثمة مقارنة استراتيجية تطرحها مراكز الأبحاث اليوم:

حين اغتيل السيد حسن nasr الله في حرب الإسناد لغزة، التزم الشيعة بآليات المعركة وضوابطها وضمن "ستاتيكو" معين، رغم أن نصر allah يمثل رمزية استثنائية عالمياً. لكن، حين طال الاغتيال السيد علي خامنئي، تفجر "الغضب الشيعي" الحقيقي بكل طاقاته، وخرج عن كافة الأطر التقليدية في وجه الجميع.

هذا المشهد قاد المحللين الغربيين إلى استنتاج مفاده: أن الذي يحكم غالبية الشيعة في العالم اليوم هي "المرجعية" في إيران. نحن أمام مشهد لأكبر كتلة بشرية متراصة، منضبطة، وملتزمة بأدق التفاصيل الصادرة عن مركز القرار الديني في طهران.

لقد أثبتت الأيام الأخيرة أن إيران لا تسيطر على مفاصل المنطقة بقوتها العسكرية فحسب، بل بقدرتها الفائقة على تأطير غالبية الشيعة في العالم تحت مظلتها الدينية والعقائدية. وأمام هذه الوحدة النادرة في شرق منقسم، لم يعد من الممكن اعتبار الشيعة "أقلية"؛ فبينما ينقسم المليار مسلم إلى مذاهب وتيارات متصارعة، تبرز "الوحدة الشيعية" كواحدة من أكبر واثبت القوى المتماسكة في الخارطة الإسلامية والعالمية.

على صعيد المواجهة المباشرة، يبدو أن طهران نجحت في تكتيك استنزاف كامل بنك الاهداف العسكرية والاستخباراتية الأمريكية-الإسرائيلية. فبعد موجات من القصف الجوي والبري والبحري طالت كل ما يمكن استهدافه في ايران، لا تزال إيران تحتفظ بقدرتها على إدارة المعركة وإطلاق الصواريخ بوتيرة ثابتة ومنظمة. هذا الواقع الميداني هو ما دفع الرئيس ترامب للتصريح بصراحته المعهودة: "لقد نفذنا المهمة، وقريباً سأعلن انتهاء الحرب، لأنه ببساطة لم يعد هناك ما يمكن قصفه". تصريح يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بوصول القوة العسكرية الصلبة إلى حائط مسدود أمام ثبات الشعب الايراني وقواته المسلحة".

المشهد ذاته يتكرر في لبنان؛ فبينما ساد اعتقاد لدى الدوائر القرار السياسي اللبناني والدولي، بأن حزب allah قد أُنهك وبات يبحث عن "قشة" لاستعادة أنفاسه، كشفت التطورات الأخيرة عن قراءة مغايرة تماماً. تبين أن الحزب لم يكن في حالة انكسار، بل كان يمنح فرصة للمبادرات السياسية والوسطاء اللبنانيين للتوصل إلى تسوية شاملة تضمن إعادة الإعمار وعودة المهجرين وانسحاب الإسرائيليين من الجنوب.

ومع فشل الضغوط الدولية في كبح الجماح الإسرائيلي او تحصيل مكتسبات سيادية للدولة اللبنانية، عاد حزب الله إلى الميدان بقوة غير مسبوقة، صدمت القيادة العسكرية في تل أبيب ودفعها لمطالبة واشنطن بتدخل مباشر ومركز.

لعل العامل الأكثر إثارة للريبة في سلوك حزب allah هو "التحول السياسي المستجد". ثمة تساؤلات في الأوساط الغربية حول ما إذا كان الحزب قد بدأ فعلياً بتوظيف تقنيات "الذكاء الاصطناعي" في إدارة معاركه السياسية والإعلامية. فالحزب الذي يمارس العمل السياسي اليوم يظهر بملامح مختلفة كلياً عن صورته النمطية السابقة، بمرونة ودقة وتكتيكات تظهر تفوقاً ذهنياً أربك خصومه في الداخل والخارج.

في واشنطن، تتصاعد التحذيرات من محاولات إسرائيلية حثيثة لتوريط الولايات المتحدة في مستنقع الحرب مع حزب allah، تماماً كما جرتها إلى المواجهة مع إيران. ويرى مراقبون أن "الصبيانية" في التصريحات الإسرائيلية ليست إلا انعكاساً لحالة الضياع السياسي والتخبط الذي يعصف بالكيان.

ختاماً، يبرز التساؤل الكبير أمام القوى الغربية: حتى لو قررت أمريكا أو حلفاؤها التدخل لنزع سلاح حزب allah بطلب "رسمي" من الدولة اللبنانية، فهل تمتلك هذه الدول أو لبنان القدرة على تحمل كلفة "حرب شوارع" داخل المدن اللبنانية؟ إن تجارب الحروب الحضرية المعاصرة تؤكد أن الدخول في هذا النفق يعني انتحاراً عسكرياً واستنزافاً بشرياً لا يمكن لأي عاصمة غربية أن تتحمل تبعاته أمام رأيها العام.

 

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment