ما الحقيقي وما المُفبرَك؟

03/12/2026 - 09:39 AM

Prestige Jewelry

 

 

عادل صوما

أعتبرُ "دار الصياد" اللبنانية بيت أمي الإعلامي، حيث بدأت أكتب فيها صدفة بسبب موهبتي وليس تخرجي في كلية الإعلام، كما تعلمتُ ورأيت مشاهير المحررين ونجوم المجتمع والفن اللبناني. كان ذلك في ثمانينات القرن الماضي.

يدوياً وليس آلياً

كان الإعلام تقليدياً يختلف تماماً عن الإعلام اليوم، وكل شيء في جريدة "الأنوار" حيث بدأتُ كان يدوياً، بدءاً من تقديم المقال المكتوب على ورقة والتصحيح اللغوي، والخطاط الذي يكتب عناوين المقالات وافتتاحية الجريدة، مروراً بمن يصمم كل صفحة، حتى طباعة الجريدة. كما كان الجميع يتحدثون مع بعضهم البعض في كل الطوابق الأربعة، وليس كما اليوم يتم التواصل بالإيميل.

كان ترفاً في ذلك الوقت أن يكتب محرر أو كاتب مقال نصه على آلة كاتبة، كما كانت المقالات تُرسل بالبريد العادي لمن لا يعملون في الجريدة كمحررين.

من هو الأخير؟

مع التطور التقني الذي عاصرته بدأت بعض الوظائف تختفي لأن الكمبيوتر حل محلها، وكان أول مهنتين اختفيتا هي خطاط العناوين ومن يصف الحروف في المطبعة، وغير معروف بعد دخول الذكاء الاصطناعي ما هي آخر مهنة ستختفي. ربما سيكون الكاتب الذي لا يستعين بالذكاء الاصطناعي لكتابة مقاله! 

ورد في الأنباء منذ شهور أن المشاهدين أبدوا استحساناً كبيراً لقارئة نشرة إخبارية على شاشة إحدى القنوات البريطانية الإخبارية، بل وضع بعض الرجال Post وطلبوا مواعدتها بسبب جمالها ولباقتها، لكن القناة الإخبارية خيبت آمال الجميع، عندما أعلنت أن المذيعة فتاة افتراضية صممها الذكاء الاصطناعي، بناء على محصلة ما يعجب الرجل في المرأة!

خطوات متسارعة

مهنة الإعلام والكتابة بشكل عام بدأت فيها ثورة تقنية ومعلوماتية غير معروف أين ستنتهي، لأن استخدام التكنولوجيا المتسارعة التطور للذكاء الاصطناعي في اختيار وكتابة المقالات والأبحاث تقفز قفزات كبيرة، لدرجة أن كُتاب السيناريو في بعض مؤسسات صناعة السينما بدأوا يشعرون بالخوف من انقراض مهنتهم.

آلية مسح الإنترنت خلال دقائق معدودة، وتقييم أهم وأعلى القصص قراءةً في الأخبار العالمية، وتوليف موجز للمحتوى المتعدد المنشور عالمياً باللغة نفسها، يتيح للمؤسسات الإعلامية إنتاج نسخ تلائمها بسرعة وأقل تكلفة، ويمكن لمُحرر واحد صياغة المُنتج وفق التوجه السياسي لوسيلة الإعلام التي يعمل فيها، أو غير ذلك من توجهات.

صدق وكذب

تداعيات جذرية ستحدث عند انتشار هذه التقنية عالمياَ، وقد تصل الأمور إلى مرحلة يصعُب فيها معرفة الصدق من الكذب، والأمثلة ما نشاهده أحياناً في فيديوهات مفبركة، أشهرها في الفترة الأخيرة كان وجود الرئيس ترمب مع رئيس الوزراء نتنياهو بملابس البحر يشربان عصيراً استوائياً على شاطئ في إسرائيل، بينما هما في واشنطن يبحثان ملفات شائكة متداخلة في الشرق الأوسط وبين بلديهما.

في التلفزيون سيتلاشى التحقيق الميداني إلى حد كبير بمرور الأيام، ولن يكون هناك حاجة إلى توظيف فريق من المراسلين أو المحررين للذهاب إلى مناسبة ما ورؤية الحدث والكتابة عنه، أو التحدث مع المشاركين وتصوير كل شيء. فقد ظهرت قنوات يملكها شخص واحد والناس من هواتفهم المحمولة يرسلون له ما يحدث وفقاً لتوجه قناته.

انخفضت كلفة تأسيس تلفزيون من ملايين الدولارات إلى رسوم على موقع عملاق وبدء قناة تلفزيونية بشخص واحد فقط من منزله، فقد اتاحت التقنية بناء خلفية له تتنوع ما بين رفوف مكتبة منزلية إلى ستوديو كبير، وتحوّل الناس العاديون إلى مراسلين ومصورين بسبب الهواتف المحمولة، وصاحب القناة ومذيعها أو الناشط أياً كان ميدانه يصف ما يشاهده من حصيلة متابعته ورأيه لما أُرسل إليه.

أصبح الرقيب الحكومي في الإعلام المملوك للدولة فقط، خصوصا في الدول الشرق أوسطية، وأصبح تبليغ الناس عن إساءة ما، هو حافز حذف صورة أو حلقة أو مقابلة من المواقع الفضائية العملاقة.

مُحاور وضيف

البودكاست أصبح ينافس التلفزيون اليوم ويقوم بنشر الحوارات، حيث لا حاجة في معظم الأحيان لإستوديو وفريق تصوير محترفين مع عدة كاميرات. مُحاور وكاميرا وضيف، وحسب أهمية الأخير يكون عدد المشاهدين، ومن يتشاركون في مشاهدة الحوار نفسه عن طريق كبسة زر من شخص إلى آلاف آخرين يرفعون رقم المشاهدات إلى رقم يفوق بمراحل أرقام مشاهدي التلفزيون.

تلاشي الهوية

الكتابة بكل أنواعها في المستقبل ستشبه سياراته، حيث لا هوية. ولن يوجد في الكتابة إسلوب أو قاموس مفردات شخصية مميز، فمنذ خمس سنوات كنا نقول هذا المقال لفلان، فهل يمكن أن نقول ذلك في الغد القريب؟

منذ ثلاثين سنة كان المرء من على بعد مئة متر يعرف السيارة القادمة هل هي "ڤولڤو" أو "رينو" أو "شيفروليه"، بعكس اليوم تماماً لا هوية أو تصميم خاص لأي ماركة.

مخاوفي ومخاوف آخرين لن توقف التطور، لكن المؤشرات ليست مشجعة، لأن التقنية ستتحكم حتى في المضمون، فقد جربتُ شخصياً ما يُمكن أن يحدث لفصل واحد فقط من إحدى رواياتي إذا تدّخل الذكاء الاصطناعي، فوضعت هذا الفصل على أحد تطبيقاته، وطلبت منه تعديل النص للأحسن، فلاحظت أن التعديل لم ينصب فقط على اسلوبي، بل اتجه بالنص إلى مسارات أخرى لم أفكر فيها مطلقاً.

من سيختار؟

ماذا سيعمل الناس في المستقبل بعد حلول التقنية محلهم؟ وكيف سيكون شكل الوظائف بعد اختفاء بشرية أي نص أو مهنة أو حرفة؟ 

بل الأمر طال ما قبل المهنة، فما يلاحظه أرباب العمل اليوم أن التقنية دخلت أيضا إلى معظم طلبات التوظيف، وأصبحت تُعدل بواسطة الذكاء الاصطناعي، بل أن بعضها يبدو بوضوح أنها لم تُكتب من قِبل طالب الوظيفة، لأن بعضهم عند المقابلة الشخصية لا يكونون بفصاحة ودقة ومعلومات ما ذكروا، فمن يختار صاحب العمل؟

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment